مع ذلك // عبدالله على إبراهيم ( بين عوض الجاز والصحفيين )

0
44

 

 

خشيت أن يظن زملائي الصحفيون بي الظنون وأنا أشدد النكير على مهنيتهم في تناول خبر الثورة  فيصرفونني كمحب للثورة لا يريد لها أن يخدشها قلم. ومن عرفني عن كثب خلال تجربتي في كتابة العمود الراتب في دولة الإنقاذ عرف أنني مبتلى بحالة معروفة بالميتاصحافة. والميتا هي أن يكتب المشتغل بفن عن فنه. فالمتاشعر هو كتابة الشاعر عن حال الشعر. وهي حالة توصف بالشفافية لأنها أشبه بالنقد الذاتي. ففيها يقتحم الكاتب عالم مهنته بالنظر يقلب ثمينها وغثها على مرأى من القراء.

كانت المتاصحافة من أكثر ما كتبت خلال عهد الإنقاذ. كانت لي مآخذ كثيرة على الصحافة في حرفيتها مع أنني شديد الحفاوة بصدورها من أساسه. فلم تكن نية الإنقاذ الإذن بالصحافة المستقلة فأممتها لتصدر السودان الحديث والإنقاذ الوطني. فخاب المسعى وشدد الصحفيون ملاك الصحف خاصة في وجوب أن تسمح الدولة بالإصدار المتعدد للصحف. فلو لم تحقق الصحف تحت الإنقاذ سوى محض صدورها فقد فازت  لتمسكها بحق التعبير خارج صندوق الدولة بغض النظر.

وأنقل كلمة هنا من ٢٠١٠ أخذت فيها على أداء الصحافة مآخذ على ضوء مؤتمر صحفي عقدة وزير المالية عوض الجاز اشتكى فيه مما سماه “النقد الإطاحي” الذي يسم كتابات الصحفيين. وكنت شكوت من نفس هذا النقد يراق من أقلام صحفيين سوسته فيهم قديمة.  فإلى المقال القديم

لم يخف الدكتور عوض الجاز، وزير المالية، خيبة أمله من تحول لقائه أمس الأول بالصحفيين، من التفاكر حول مواجهة ميزانية 2010 إلى مؤتمر صحفي عادي: سؤال وجواب. كان يريد للصحفيين أن يستقلوا بالنظر في موجهات الميزانية يقومونها لقرائهم كسياسات اقتصادية في حد ذاتها. وكان هذا ممكناً بالطبع. مثلاً علقت أنا في الاجتماع على موجهات الميزانية في مجال الكهرباء بتحجيم التوليد الحراري والاعتماد أكثر على كهرباء السدود. وكنت قرأت منذ أيام أن وجهة العالم هي العكس تماماً. فقد جَرّت السدود على المتأثرين بها من السكان ويلات غير مسموح بها في عصر الحساسية العالمية لحقوق الإنسان. فالخطأ هنا في إتخاذ  الحكومة كهرباء السدود  موجهاً بغض النظر عن اقتصادها.

لم يكن ممكناً بالطبع ألا يتحول لقاء الوزير بالصحفيين إلى مؤتمر صحفي على غير رغبة الوزير. فموجهات الميزانية تأتي في سياق عشرين سنة من حكم الإنقاذ. وتستدعي بهذا ذاكرة سلبية تجاه أداء الإنقاذ المالي والسياسي بوجه عام. فتوقع الوزير أن يصوب الصحفيون نقاشهم للموجهات الجديدة للتنوير والتبليغ ربما كان غير واقعي. قال الوزير، بعد أن وجه له بعضنا أسئلة من نوع المؤتمر الصحفي، لا تعودوا بنا إلى قديمنا. فقال الأستاذ محجوب عروة: “من نسى قديمه تاه”. وربما قصد أن شكل المؤتمر الصحفي (الذي هو طعن بالأسئلة) هو كل ما تعودناه من الإنقاذ.

دعا الجاز إلى شراكة مع الصحفيين في إدارة سفينة المال العام في هذا المنعطف الصعب عالمياً ومحلياً. فعالمياً الوضع معروف. أما محلياً فقد أثقلت مستحقات قسمة الثروة على الموارد المالية. وهي شراكة نأمل أن تصون المال العام من التلف (وهي شاغل الصحافة أحسنت أم أساءت)، وتنمية بزيادة الإنتاج كما يطلب الوزير. ولتقوم الشراكة على القسط وجب أن نتفاتح حول ما يكتنف علاقة الصحافة والحكومة من سوالب.

شكى الوزير مما سماه ب “الإطاحية” في كتابة الصحافة عن أداء الدولة. ويريد بذلك أنها تكتب وكأن قيامة الحكومة أو الوزارة قامت. فلا تجد في ما تقرأ كلمة طيبة توزن القصة الصحفية كما ينبغي. فالصحف تغالي  في الأنباء الصارخة طلباً للتوزيع. فمثلاً جاء في الصحف أن 3000 منزل قد انهارت ببلدة ربك بينما ربك أصغر من ذلك بكثير. ولا تراعي الصحف أنها من ضمن ما يراجعه المستثمر الأجنبي قبل دخوله السوق السوداني. وقد أضرت بعض أنبائها بالمستثمر السوداني. فما تناقلته بغير وجه حق عن حمى الوادي المتصدع انتهى بمصدري اللحوم في السجن. وقال إن الصحافة تقرأ قراءة ضارة بين السطور. فقد نشرت غير صادقة عن خلاف بين المالية وبنك السودان. وهذا ما لم يحدث. وأضاف “حتى لو اتشاكلنا ما تصلحونا على الحق.”

يعرف القراء أنني ناقد مواظب لأداء صحافتنا. وأجد في متاعب الوزير معها صدى من نقدي لها. فلنسمع من الصحافة. فلها متاعب مهنية بوسع الوزير حل أكثرها. فقد اشتكت أبداً من الغلو في جمركة مدخلات الإنتاج. كما تستنكف البنوك تمويل استثمارات الصحف. فقد كنت قريباً من مشروع لتمويل مطبعة لصحف عديدة جيدة أرهقها سعر الطباعة. ومات المشروع. كما تشكو الصحف من التحيز في الإعلان والاشتراك الحكوميين. وحادثة إضراب مراسلي الصحف بمدني القائمة ضد هذا التحيز واردة. كما تشكل الرقابة القبلية إساءة جمة للمهنية الصحفية. وسمعت رئيس تحرير  يرد على من وبخه بصفته تلك على إهماله لواقعة ما :”ولكن أنا رئيس تحرير.”

لابد أن نزجي الشكر للوزير الذي أراد الخير له ولنا وللوطن بشراكة في الهم العام لا مهرب منها.

 

اترك رد