الحزب الشيوعي هل يعيد مواقفه التي أعاقت الإصلاح الاقتصادي منذ بداية الفترة الانتقالية؟

0
43

 

 

أحمد عثمان محمد المبارك المحامي

ظل الحزب الشيوعي السوداني متمسكاً بموقفه من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي رافضاً سياسة طلب الدعم الخارجي كبديل للحلول الداخلية،فهو يرى إن رفع الدعم وفقاً لشروط صندوق النقد الدولي لن يحل الأزمة بل يزيدها تفاقماً. هذا هو الموقف الحزب الشيوعي المعلن بتحذيراته المستمرة من العواقب الوخيمة لسياسات صندوق النقد والبنك الدولي والتي ما زال يرددها منذ اندلاع الحرب الباردة. فبالرغم من التحول الجذري الذي شهده العالم، مازال الحزب الشيوعي على موقفه ساكناًبلا حركة، مستعصماً بأيدلوجيته الاشتراكية،منادياً بالاعتماد على الدخل الوارد من إنتاج الذهب كبديل عن الاعتماد على الخارج، دون تقديم رؤية مفصلة تشرح كيفية تحقيق ذلك في ظل واقع اقتصادي منهار وانعدام بنية تحتية تمكن الدولة من تهيئة البيئة المناسبة للاستفادة من الموارد الداخلية، فظل يكرر “بأن إعادة العلاقات مع صندوق النقد الدولي ما هي إلا استنساخاً لما قام به نظام المخلوع البشير”، متناسياً أن نظام البشير كان نظاماً معزولاً عن المجتمع الدولي تماماً ولم يكن يوماً هدفه مصلحة الوطن، وشتان ما بين تعامل نظام البشير مع العالم سابقاً وما تصبو إليه حكومة الثورة للاستفادة من المؤسسات الدولية لمصلحة السودان. يبدو أن الحزب الشيوعي غير مكترث للتحولات الكبيرة التي حدثت وانتقال العالم بعد الحرب الباردة إلى نظام دولي جديد،فلم يحاول تقديم نموذج جديد مبني على مآلات هذا التحول العالمي وتأثيره على مواقف الحزب الفكرية والسياسية التي ما زالت تعيش في اربعينات وخمسينات القرن الماضي.

من المعلوم أثناء الحرب الباردة كانت الندية التنافسية بين القوتين العظيمتين هي الموجه للسياسات في العالم،ومع غياب حرب معلنة بينهما،توسعت الحرب الباردة لتمتد في أوربا اولاً ثم إلى كل مكان في العالم، حيث كانت الولايات المتحدة تسعى لمحاصرة الشيوعية من خلال حشد حلفائها في أوربا والبلاد العربية وغيرها من بلدان آسيا، بينما كان الاتحاد السوفيتي يكثف من دعمه للأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية ومناطق الجنوب الآسيوي، فظلت حالة الصراع البارد مستمرة إلى أن نجحت الولايات المتحدة من خلال ضغطها المستمر على الاتحاد السوفيتي، فاضطر الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف حينذاك إلى إحداث تحول جذري في النظام الشيوعي حين أعلن إصلاحاته الاقتصادية التي عرفت حينها بمبادرة (البيرويستوريكا) وإعلانه سياسة الشفافية المطلقة أو بما عرف بسياسة (الغلاسنوت)، مما أدى إلى تحول راديكالي انهارت على إثره أسطورة الاتحاد السوفيتي لتصبح قيادة العالم تحت قبضة الولايات المتحدة والمؤسسات الرأسمالية الدولية وقيام نظام دولي جديد. نتج عن ذلك تراجع في مواقف الأحزاب الشيوعية فتغيرت في العديد من دول العالم بما فيها العالم العربي والأفريقي،وتفتت جميع التحالفات الاشتراكية في أوربا الشرقية. كل ذلك حدث ويحدث حتى الآن بينما الحزب الشيوعي السوداني مازال مستمسكاً بمواقفه الآيدولوجية المتشددة بعيداً عن الواقع  وبلا رؤية  تخرج السودان من واقعه المتردي حتى يتمكن بعدها من الاعتماد على موارده الذاتية كما يطالب بذلك.

لا أعتقد قد فات على فطنة الحزب الشيوعي السوداني بأنه وفي ظل القطبية الآحادية التي تقود العالم حالياً، أصبحت البلدان النامية تلجأ للبنك الدولي لمساعدتها في تمويل مشاريع البنية التحتية والمنشآت الخدمية من صحة وتعليم وطرق وشبكة مواصلات وغيرها. لذا فإن تمكنت الحكومة السودانية من تمويل مشاريع البنى التحتية فسوف تستطيع جذب الاستثمارات،وستقل بذلك نسبة البطالة بتوفير العمل للعديد من الفئات الضعيفة وبالتالي تقل نسبة الفقر وتتحسن الأحوال المعيشية لنسبة كبيرة من قطاعات الشعب السوداني. لقد تغير العالم خلال العشرين عاماً الماضية منذ انتهاء الحرب الباردة، وتغيرت معها توجهات البنك الدولي الذي بدأ ينتهج أسلوباً اجتماعياً جديداً فيه المزيد من الحماية للافراد في المشروعات التي يمولها البنك الدولي، كما فيه استجابة لتحديات التنمية في البلدان النامية. هذا ما يجب على الحزب الشيوعي السوداني ان ينظر اليه من منطلق انعكاساته الإيجيابية على الواقع السوداني وليس من منطلقه الاشتراكي الضيق الذي أصبح في تقديري لا يعبر عن تطلعات الشعب السوداني. لذلك فإن ما تحقق يوم أمس من إنجاز بسداد متأخرات ديون السودان تمهيداً لإعفائه من الديون المثقلة عليه سوف ينعكس في شكل من أشكال الارتياح والرضا الشعبي لما تبعثه هذه الخطوة من أمل جديد نحو الاستقرار والاعتماد على الذات. لكل ذلك فلا أعتقد أن شعار(لن يحكمنا البنك الدولي)يمكن أن يخاطب وجدان الشعب السوداني الآن، كما لا أعتقد أن الشعب السوداني مستعد لتحمل أية سياسات اشتراكية قاسية قد تزيد من تدهور الحالة المعيشية، فهذا الشعب ظل يقف على باب الأمل لعقود من الزمان، فإذا لاح بارق من أملٍ لن يلتفت إلى شعارات عفا عليها الزمن ومضى.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد