ضمانات التحول الديمقراطي و التقدم المنشود

0
22

 

 

الحديث عن ضرورة إجراء مصالحة وطنية شاملة لا يعدو أن يكون مجرد محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي على غير ما نادت به ثورة ديسمبر المجيدة و قدمت من أجله الشهداء و التضحيات العظيمة . أو أنه مجرد مساومة سياسية تسعى إلى إعادة تموضع النخب التي ظلت تبحث عن نصيبها من السلطة على مر الأنظمة السياسية و إختلافها على حكم البلاد . فاللجوء إلى المصالحة يستوجب وجود خصمين على الأقل , فأين الخصوم في الحالة السودانية الراهنة ؟ و من ظلم من ؟ . و إلا فما الخطأ في الثورة الشعبية العارمة التي اقتلعت نظاماً شمولياً قاهراً رافعة شعارات الحرية و السلام و العدالة ؟ من المتضرر من تطبيق هذه الشعارات و من الظالم و من المظلوم فيها ؟ . و ما هو أكثر أهمية من كل ذلك هو أننا نعيش فترة إنتقالية بانتهائها يستلم الشعب مسؤوليته في إختيار من يراه مناسباً ليحكمه و كيف يحكمه .

و لكن في تقديري أن الأمر في هذه المرة يجب أن يختلف عن الطريقة التي أديرت بها التجارب الديمقراطية السابقة من لدن أكتوبر 1964 و إبريل 1985 بل و حتى الحكومة الوطنية الأولى التي جاءت بعد نيل الإستقلال . و هناك نقاط مهمة في سبيل تقديم نموذج ناضج و تجربة ديمقراطية مستدامة يجب أخذها في الحسبان سنتناول بعضها فيما يلي من سطور :

أولاً : ضرورة توسيع دائرة المشاركة في العمل الوطني العام . و أسميه العمل الوطني للتفريق بينه و بين العمل السياسي الذي حدث بحقه تشويه عميق و ارتبط لدى طيف واسع من الشعب السوداني بالكذب و النفاق فزهدوا فيه . و العمل الوطني العام يشمل المشاركة في تحديد الإحتياجات التنموية و الخدمية و الإجتماعية و الثقافية على مستوى الحي و القرية و المدينة و المساهمة بالرأي و الخبرات في بناء التنظيمات و الجمعيات التي تعمل على تصميم المشروعات العامة و طرح المبادرات الهادفة . فالعالم الذي بلغ مراتب متقدمة في سلم التقدم و الإستقرار السياسي الآن لا يستمد قوته و ضمانات تطوره من الأنظمة الحاكمة و إنما من خلال المؤسسات و منظمات المجتمع المدني و التنظيمات الأهلية التي تمثل مرءآة صادقة تعكس تطلعات و حاجات المواطنين . و لا تزال كبرى مدن العالم مثل لندن واشنطن و نويورك تعين عمدة للمدينة ينتخبه المواطنون بإرادتهم الواعية . و يجب أن يفهم العمل العام على أنه ضريبة المواطنة و واجب و مسؤولية وطنية و واخلاقية بل و دينية . فمن المؤسف أن تظل ملايين العقول و الطاقات و الخبرات و الأفكار تعمل خارج نطاق تغطية المصلحة العامة و العمل العام .

ثانياً : من الضروري تدارك أخطاء الأنظمة الديمقراطية السابقة بل و أخطاء جميع الأنظمة السياسية التي مرت على البلاد في الماضي لتفادي تكرار حدوثها . فالتاريخ يعيد نفسه فقط على الذين لم يعوه في المرة الأولى . فالتجارب الديمقراطية الماضية كانت في الغالب تمثل حكومات النخب من الأعيان و النظار و العمد و المشايخ . و لذلك لم تتحقق فيها إرادة الشعب فلم تصمد و لم يأسف عليها الشعب عندما هوت و لم يبكها عندما ماتت . و أكثر من نصف عمر البلاد الوطني تقريباً ظلت تدير المشهد السياسي فيه مجموعة ( أولاد الحلة ) كانوا يسكنون مساحة لا تتجاوز عشرة كيلومترات مربعة . فمن حي ود نوباوي شمالاً إلى حي الملازمين جنوباً  و من بيت المال شرقاً إلى المسالمة غرباً كان يسكن كل من الآتية أسماؤهم : إسماعيل الأزهري , عبد الله بك خليل , مبارك رزوق , فاطة أحمد إبراهيم , الصادق المهدي , يحي الفضلي , جعفر محمد نميري , بابكر النور , عبد الخالق محجوب , منصور خالد , خالد حسن عباس , هاشم العطا , مامون عوض أبو زيد و آخرون كثر يصعب حصرهم . و كمثال لمفهوم ( أولاد الحلة ) يروى أن الرئيس الأزهري كان في زيارة عمل رسمية و كان ضمن طاقمه الأمني الرائد مامون عوض أبو زيد . همس الزعيم الأزهري لبعض معاونيه بأن نظرات و تصرفات ( ود أخونا عوض أبو زيد ) تطوي سراً ما . و بالفعل صدق حدس الزعيم فقد كان ذاك السر هو إنقلاب مايو الذي أطاح بحكومة الأزهري و كان مامون عوض أبو زيد من ضمن أعضاء مجلس قيادته .

و لكن بشكل عام كانت مرحلة حكم ( أولاد الحلة ) مرحلة متقدمة على القبلية و الجهوية و العشائرية . بيد أنها لم تقدم حلولاً للمشكلة السودانية ذات الجذور الضاربة في العمق . فاستمر التهميش و التمرد و الإضطربات في الأطراف و التدهور في الخدمات و التخلف في التنمية و الهجرات إلى العاصمة .

و قد ستطاع النظام البائد في بدايته الخروج من دائرة النخبة السلطوية التقليدية و أتي بوجوه جديدة إلى القيادة من قواعد أكثر تمثيلاً للطيف الإجتماعيالواسع . غير أن خطأه الأساسي الذي مضى يلاحقه كظله كان يتمثل في عدم دستوريته لاستلامه السلطة عبر الإنقلاب . و كذلك  استبداده و فرضه لأيديلوجيته التي كانت تتجاوز الإطار الوطني في مفهومه و حدوده السياسية إلى آفاق أممية تطمح إلى الوثوب إلى الأمام بين مصر و السودان و العراق و اليمن . فكان أخطر نتائج ذلك التوجه الاستبدادي القاهر, بلوغ الجنوبيين مرحلة اليأس الوطني و تفضيلهم الإنفصال . و كان من نتائج ذلك أيضاَ إتساع دائرة الحراك المسلح و تعدد جبهاته و اختلاف أجندته .

ثالثاً : من الضروري جداً بناء آليات أهلية و رسمية مستقلة  تراقب و تدرس الممارسة السياسية و تقيمها لتضمن عدم إنحراف العملية الديمقراطية عن أهدافها الشاملة و العادلة . فنحن شعب سلطوي و نخبوي من الدرجة الأولى . فتجربة النظام البائد التي أشرنا إلى أنها كسرت دائرة سلطة النخبة التقليدية و أتت بوجوه من العامة , انتهت فقط إلى تكوين نخبة أشد ( نخبوية ) من سابقاتها . فعلى الأقل لم يتمرد رموز النخب السابقة على بيئاتهم الإجتماعية و الإقتصادية . فقد ظل أمثال الأزهري , مبارك زروق , عبود , عبد الله خليل و حتى نميري و غيره يعيشون في ذات الأوساط الإجتماعية التي خرجوا منها . و لم يصيبوا قدراً من الثراء الفاحش . أما أهل الإنقاذ فقد ( عملوا البدع ) . تمردوا على واقعهم و مجتمعاتهم التقليدية و أسسوا أحياء جديدة خاصة بهم و بنوا قصوراً بداخل و خارج البلاد و توسعوا في امتلاك الضياع و البساتين و أماكن الترفيه الساحرة بل و خصصوا لأنفسهم مساجد خاصة . و كونوا ( طبقة ) اجتماعية جديدة و ليس مجرد نخبة فحسب . و بالتالي إزدادت الفوارق الإقتصادية و الإجتماعية عمقاً .

و لذلك فمن الضرورة أن يراعي التحول الديمقراطي الجديد أهمية التمكين الإقتصادي لسكان الهامش أكثر من مجرد تمثيلهم في هياكل السلطة العليا . فالتمكين الإقتصادي السلبي و النخبوي الهدام الذي حدث خلال العهد البائد ساهم في تكدس أكثر من سبعين بالمائة من الثروة في العاصمة الخرطوم . أصاب الفقر الريف فاضطر الناس إلى الهجرة إلى الخرطوم في مجموعات سكانية كبيرة . حتى منطقة الجزيرة التي أكنت أكثر بلاد السودان استقراراً إضطر الناس إلى الهجرة منها إلى الخرطوم . و تحول الإقتصاد إلى مجموعة أنشطة تخدم مصالح و تلبي هوايات و أمزجة النخب الجديدة و لكنها لا تزيد الثروة القومية و لا تحدث تنمية حقيقية .

رابعاً :على الأحزاب السياسية في هذه المرحلة , في سبيل ترميم بنائها و الدخول من باب التقدم الوطني , التوجه نحو سوق شباب الثورة ( الكاشف و الحار ) . فالشباب هم الفئة الأكثر إيماناً بالثورة و حرصاً على تحقيق شعارتها و أكثر استعداداً لتقديم المزيد من التضحيات من أجل الوطن .

و من بعد ذلك من المهم للأحزاب السياسية التوجه نحو تأسيس نماذج لمشروعات و أوراق علمية ناضجة تطرح و تطور فيها رؤيتها السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية , فقد شبعنا من الشعارات و الهتافات . و الأكثر أهمية من ذلك أن تعيد الأحزاب بناء هياكلها بشكل مؤسسي يراعي الديمقراطية في نفسه أولاً و يحتكم إلى المؤسسات الحزبية و ليس الأشخاص .

اترك رد