الحلقة العاشرة : بروفيسور جعفر ميرغني في أضواء على الحضارة السودانية بحديقة (التيار)

0
23

 

تغطية : رشا حسن

 

يفرض المجتمع على البنت أن قيمتها في جسدها فقط

التعليم في بريطانيا متخلف قليلاً عن باقي أوربا

الطالب يتعلم ليواجه الحياة وليس من أجل الوظيفة

السودان الآن يسير بالاقتصاد الشعبي

 

قدم مدير معهد حضارة السودان، عضو المجمع الثقافي العربي والمحاضر بجامعة الخرطوم، العالم المعروف البروفيسور جعفر ميرغني في الحلقة الحالية بحديقة التيار محاضرة عن تعليم البنات والصعوبات التي واجهتها ودورها في الحياة ،وأوضح محاسن التعليم بالبلاد وأهميته في صناعة الدولة وذكر بإنه قديماً يتميز بمجانية التعليم خلاف الآن مبيناً معنى مصطلح الاستراتيجية وقال إن الاقتصاديين قسموا التعليم إلى رسمي وشعبي والسودان يسيره الاقتصاد الشعبي إلى الآن.

 

تحديات تعليم البنات

تناول جعفر في هذا الجانب كيف كان تعليم البنات وقال إن السكان في الأرياف كانوا يرحبون بتعليم البنات وفي مطلع القرن الـ (٢٠) حدث جدل كبير حول تعليم البنات وبعض من خريجي كلية غردون كتبوا عن هذه القضية في الجرائد وأثاروا الرأي العام ، وبعد الفراغ من المقالات وتسليمها للصحيفة كانوا يغيرون ملابسهم ويذهبون لمكان اللعبات وهو مكان الرقص والطرب ليروا هذه البنت في منتهى التخلف يفرض عليها المجتمع أن قيمتها في جسدها فقط لذلك كلفنا التخلف الذي فرضه الحكم التركي على السودان كثيراً ولابد من استعادة الوعى بالتعليم.

محاسن التعليم

محاسن التعليم كثيرة وأهم شيء أن رسالة التعليم هي أن يكون الإنسان نبيهاً في حياته”فالح” قادر على مواجهة الحياة، لم يكن من غرض التعليم أن يحصل الخريج على وظيفة، واذكر من سنين طويلة كنت أدرس علم اللغة في جامعة الخرطوم والجامعة الإسلامية فتحت قسم دراسات عليا في تعليم اللغة وطلبوا أن أتعاون معهم فوجدت الطلاب مابين (٥) أو (٦) منهم (3) طلاب قدام من قبل عهد الجامعة و(3) من اللذين تخرجوا حديثاً والمحاضرة كانت الساعة الرابعة مساء عند وصولي للجامعة أجد هؤلاء الطلاب الثلاثة الكبار موجودين بـ(النجيلة) يتبادلون الحديث وهم طلاب دفعة واحدة وفي انتظار المحاضرة ومن عملهم يأتوا إلى المحاضرة مباشرة وانتظر الشباب حتى يأتوا على مهلهم وفي يوم قلت لهم أريد أن أسألكم سؤالاً، واحداً من هولاء الطلاب مدرس والثاني يملك متجراً تجارياً بسوق أم درمان والثالث صاحب مطعم، معظمكم تعملون وتدرسون السؤال لماذا أنتم تدرسون هذه المادة؟! فأجابوا نحن أصلاً لم يكن التعليم لدينا مرتبطاً بوظيفة وسمعنا عن مادة جديدة وكان هدفنا كله دراسة هذه المادة الجديدة لنكمل بها تعليمنا ، والمثل الذي نسمعه دائماً العلم من المهد إلى اللحد تمثل هنا كحقيقة والمؤسسة التعليمية التقليدية هي قديمة من قبل الإسلام والمسيحية وتسير بذات النمط إذا هم يخرجون الرجال القادرين على مواجهة الحياة من المفترض أن تتمثل فيهم هذه القدرة على الحياة ، والتعليم في بريطانيا وبعض الدول الأوربية متخلف قليلاً عن باقي أوربا ولكن يكفي أن التعليم البريطاني الذي قمنا بتقديمه هو الذي صنع رجالاً مثلنا وباستطاعة كل شخص منهم أن يصنع دولة.

الاستراتيجية

هنا أريد أن أركز على الاستراتيجية من أين جاءت هذه الكلمة ؟ جاءت من كلمة إغريقية قديمة معناها القائد أو الأمير والقائد لابد أن يكون مثل كتشنر لأن الغاية خلق حضارة هناك وهو يعرف ماذا يريد أن يفعل بالبلاد التي سيتولى عليها لذلك ذكرت لكم خطة الكلية وإعادة بناء الخرطوم كان يدرك ماذا يريد أن يفعل وأي معلم خلوة تخرج قائداً ولكن ليس بالضرورة أن تصبح قائداً عسكرياَ يمكن أن تكون قائد مدينة خلاق ويمكن أن تقف مع العسكري حين تتأزم الأمور لأن الدولة كانت قائمة على ثلاثة أعمدة وهي مؤسسة السلطان والملوك الذين تحتهم والمؤسسة العلمية التعليمية والمؤسسة التجارية المالية كل واحدة مستقلة بإدارتها وأشار لهذا التقسيم صاحب كتاب الطبقات ود ضيف الله وفي أول الكتاب ذكر جملة قد تبدو متنافرة كتب أن الفونج غلبوا على أرض النوبة وخططوا مدينة سنار و أربجي قبلها بثلاثين عاماً وبعدها جاء الشيخ محمود وسكن النيل الأبيض وبنى قصراً ، هنا يشير إلى إنه اكتملت أركان الدولة إلى أن جاء شيخ وخطط مدنية وحجازي عين كبير التجار خطط سوقاً والسلطان خطط مدينة لذلك تلك المؤسسات التعليمية كانت مستقلة وهذا يجعلنا نتطرق إلى شيء مهم وهو اقتصاديات التعليم وهو يدير إقليمه هذا بما يوفر له كل المال الذي يحتاج إليه وأخذ على عاتقه إنزال الغريب وإيواء المسكين وحل المشاكل بين الناس داخل حرم المدرسة وخارجها لديه واجبات كثيرة لذلك لابد من التفكير في سياسات محاسن التعليم قبل الحكم الأجنبي في البلاد أما المدارس مكان التدريس فهي تتغير من زمان إلى آخر  ولكن الشيء الذي ظل راسخاً في البلاد بعد كل ما أصابها من ضعف وغيره هو المؤسسة التعليمية التقليدية ولكن مناهجها التي تدرسها في أسلوب إدارتها والتحدي أمامهم كان “حين آتي بولدي عشان يطلع فالح نشوف فلاحة الشيخ بالأول” وتحدي هنا فهو يريد أن يتعلم لكي يواجه الحياة ولابد من معرفة مقدرات المشيخة على مواجهة الحياة.

اقتصاد وتعاقب

وكثير من السلطنات تعاقبة وتدمرت مدينة ونشأت أخرى ويخرب سوق وينشأ آخر ولكن قلما تجد بلدة أنشأتها المدارس وخربت لأن عبقرية اختيار المكان أقرب مثال قرية ود حسونة هذه البلدة أنشأها أحد الشيوخ في قلب الخلاء والخلوة أصبحت تدرس القرءان ولكن السوق إلى الآن من أعمر الأسواق السودانية الشعبية والاقتصاديون قسموا الاقتصاد إلى رسمي وغير رسمي والسودان يسيره الاقتصاد الشعبي والاقتصاد الرسمي غير موجود وأقرب مثال  بائعات الشاي “يمشوا” الدولة وأذكر إن هذا الاقتصاد من صفحاته المشرقة حين فتح الإنجليز المدرسة قالوا إن من أهداف فتحها التجربة التعليمية في أم درمان بعد كرري من (٨٠٠)ألف أصبح في المدينة (٥٠) ألف فقط وهناك من توفى في الميدان وعددهم (١٤) ألف وآخرون أجبروا للذهاب إلى أم درمان ومنهم من هرب وبقي (٥٠) ألف ولايوجد سبب للمعيشة والرجال كانوا محرجين أمام زوجاتهم وبدأوا يهربون.

مشاركة المرأة

إنشأ شيء طريف جداً تم فتح مدارس شعبية منها بيت الضفيرة والشفايا و الخياطة وكلمة بيت هنا معناها مدرسة الضفيرة هي لتعليم الطالبة عمل “برش” والشفايا أن تعمل طبقاً والخياطة تخيط طرف المناديل والطواقي فكان هنا رجال أو نساء كبار يتفقون مع التجار ليجلبوا الطباقة وتذهب المرأة للطالبة في المنزل وتجلب لها السعف والصبغة وتحدد لها كم طبق تريد وتجمع منها وتدفع لها النقود، وكان هذا العمل فيه فرج كبير، فسألتهم أين تذهب كل هذه الطباقة والإجابة كانت بأن الجيش يشتريهم وهذا يدل على عبقرية الرجل السوداني والجهة الوحيدة التي تملك أموالاً هم الجيش و(٢٥) ألف جندي جاءو إلى البلاد ولديهم مرتبات والطالبات يترزقن منهم لأنهم يعرفون قدرة البنات على عمل هذه الأشياء والجيش يهديها للأهل وهناك أمر يجعلنا نقف عنده بإن من هنا جاءت الإشادة في الشعر الغنائي السوداني ونادر ما يتغزل رجل في امرأة ويقول أن عقلها كبير أو غيرها إلا هنا يقول ” يامنبع النور والفطن ” تفجرت عبقريتها على إنها تواصل في عمل هذه الأشياء وحلت مشاكل كثير من البيوت بهذا العمل المستمر والمرأة وارثة لتقاليد بإنها لابد أن تكون حاضرة في الأسواق وحتى المهدية كان هناك سوق للنساء وإلى الآن تشارك في الحياة العامة بجميع النواحى واذكر إني اطلعت على بعض التواريخ المصرية القديمة أن الناصر قلاوون غزا دنقلا وأسر النساء والأطفال بعد عامين وجدت ملك دنقلا بعث إلى البلاد السلطانية يستعطف أبناء السلطان أن يطلقوا سراحهم أما أمه أو اخته لأن البلاد دمرت وهذا التراث لا نذكره من باب الفخر لكن إذا كان هناك حل مغروس في وجدان الأمة لقرون طويلة فهي سريعاً ستعود وحين قال فرح ود تكتوك “علم الملكة عن كل شيء” لأن التعليم كان مجاناً.

مجانية التعليم

بالتالي هذا يسمى التعليم المتاح للجميع وهو قديم جداً وأحد العلماء كتب إنه بينما الكتابة كانت محصورة في شمال وادي مصر إلا على أبناء الكهنة والأمراء كان يستطيع اي انسان في السودان ان يكتب ويقراء هذا يعني أن شعبية القراءة والكتابة موجودة هنا ونحن نسميه الذي يملك القلم لا يكتب  نفسه شقي والدولة الحاكمة هي التي سمت الاقتصاد بالرسمي وسمته في السودان بالشعبي وأحياناً رمادي وسوق سوداء بمعنى لا تسطيع الدولة أن تضع يدها عليه كلياً وهذا يذكرني بحديث السيد المسيح عليه السلام نحن وصلنا خطأ أن من مقولات الكنيسة أعطِ مال قيصر لقيصر وأعطِ ما لله لله ونحن قديماً قالوا لنا أن الكنيسة ذكرت فصل الدين عن الدولة، أبداً في الإنجيل تجدها إن كان المسيح يعظ في قرى وسأله بعض الحضور عن عمال القيصر يرهقوننا في الجبايات قال له ماذا يريدون منكم فأجابه دينار وقال له أريني وتناوله منه ووجهه إليه وقال له صورة من هذا فأجابه صورة قيصر فرد له الدينار وقال له إعطِ مال قيصر لقيصر وأنا أقرأها اعطي مال قيصر لقيصر “بمعنى هو ماله ومرسوم عليه قيصر” وإعطِ مال الله لله والمشاريع التي تريد أن تعملها أعملها بمال الله، وفي الحلقة القادمة سنتحدث كيف يصرف مال الله لله.

 

 

 

 

اترك رد