الشرطة في عين العاصفة

0
41

 

 

تقرير : بهاء الدين  عيسى

النظام العام.. القانون سيئ السُّمعة يعود مجدداً إلى الواجهة

الداخلية تنفي العودة للقانون وتحث قادة الشرطة على الانضباط الإعلامي

 

فجّرت تصريحات لمدير شرطة ولاية الخرطوم الفريق عيسى آدم إسماعيل، جدلاً واسعاً في السودان خاصة بعد دعوته لعودة قانون النظام العام الذي أقره نظام  المخلوع عمر البشير.

وقال إسماعيل، وفق مقطع فيديو: “قانون النظام العام الذي يضرب الزي للفتاة تم إيقافه، ولكن الواجب أن تكون المرأة محتشمة وأن نحافظ على بناتنا”. مشيراً إلى أن عودة النظام لبسط لأمن وحفظ عادات المجتمع.

 

وألغي قانون النظام العام في 29 نوفمبر 2019م بعد الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير هو قانون كان يُعرض الفتيات للإذلال، خاصة فيما يُعرف بـ”الزي الفاضح” الذي يخضع للشرطي.

الظواهر السالبة

واعتبر الفريق عيسى، أن غياب قانون النظام العام أسهم في تصاعد الفلتان الأمني والفوضى. وأضاف: “بعد إلغاء قانون النظام السابق ظهرت عدة ظواهر سالبة، نتجت عن تفسير الناس للحريات المتاحة بطريقة خاطئة”، وطالب بعودة قانون النظام العام، ونوه إلى أنه قانون ضبط اجتماعي لسلوك المجتمع في الشارع في لبسه وتعامله. موضحاً أنه يمكن تغيير اسم القانون على أن يُطبق وفق شعارات الثورة.

مطالبة بإقالة مدير شرطة الخرطوم

وانطلقت حملة قوية في السودان ضد تصريحات مدير شرطة الخرطوم، وسط مطالبات بإقالته من منصبه، واتهامات للشرطة بالقمع وانتهاج نفس سياسيات نظام البشير.

وطالب ناشطون ومنظمات مجتمع مدني في السُودان، بإقالة مدير شرطة ولاية الخرطوم على خلفية مناداته بعودة قانون النظام العام، الذي ألغته الحكومة الانتقالية في العام 2019.

الداخلية تتبرّأ

تبرّأت وزارة الداخلية السودانية من دعوات مدير شرطة ولاية الخرطوم لإعادة العمل بقانون النظام العام، وحثّت قادة الشرطة على الانضباط الإعلامي.

وقالت وزارة الداخلية في بيان تلقته “التيار”: “تؤكد الوزارة أنها ملتزمة عن قناعة وإيمان بمعطيات المرحلة وتتماهى مع إرادة الشعب نحو التغيير الماضي إلى إرساء قواعد الدولة المدنية”. وأضافت: “بالتالي ليس هناك اتجاه لإعادة إنتاج تشريعات تواضع الشعب على رفضها باعتبارها مقيدة للحريات العامة”.

وأشارت الى أن على رأس هذه التشريعات قانون النظام العام، الذي أكدت على أنه “لن يعود بأي صورة من الصور”. وقالت وزارة الداخلية إنها “رصدت أصواتا تنادي بفرض بعض الأحكام وتنفيذها بواسطة أفراد أو جماعات، وهذا بالطبع نهج مرفوضٌ”.

وبرزت أصوات في وسائل التواصل الاجتماعي تُطالب بجلد الفتيات اللواتي يرتدين “أزياءً فاضحة”، وهو أمر يخضع لتقدير الأشخاص.

وشددت وزارة الداخلية على أن “مبدأ فرض أي أفكار بالقوة أو فرض نظم أو عقوبات تُنفذ بعيداً عن الأجهزة المُختصة والمُخولة يُعد أمراً غير قانوني يستوجب المساءلة القانونية. وسنتصدى له بالحسم والحزم اللازمين”.

وأضافت في بيانها “وجّهنا رئاسة قوات الشرطة بضرورة ضبط الخطاب الإعلامي”.

حرب ضد النساء

وقالت الناشطة ريم عباس، إن الحرب ضد النساء في الشارع العام هي حرب ضد مكون اساسي للبنية التحتية للقوى الثورية، وحرب ضد زيادة أعداد النساء في الجامعات والقطاعين العام والخاص، ودخلوهن السوق كأصحاب عمل، وحرب ضد المكاسب المُتواضعة في المجال السياسي والاقتصادي.

وأضافت في تغريدة لها عبر صفحتها في “تويتر”: “محتاجين حركة نسوية اكثر من أي وقت مضى، تكون ما نخبوية وتقدر تصل قواعد النساء في مختلف البلد وتعاين لمشاكلهم كأولوية “.

وزادت: “متفقات كنساء أن أولوياتنا متشابهة ولكن يختلف ترتيب الأولويات على حسب الاثنية والطبقة والموارد، حركة تستوعب مشاكل النساء المزارعات والرحل والفتيات”.

نظام الجبهة الإسلامية

قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي، إضافة إلى ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر للمرة الأولى، بعد وصول الجبهة القومية الإسلامية للحكم في انقلاب يونيو 1989، كقانون ولائي في ولاية الخرطوم تحت مسمى قانون النظام العام. وتتضمن عدة مواد تتعلق بالمظهر العام، والزي والسلوك الشخصي والاجتماعي للمواطنين بما يجعل الدولة رقيباً شخصياً على المواطنين وسلوكياتهم بشكل يتعمد إذلالهم وإهانتهم وامتهان كرامتهم والتعدي على حقوقهم.

الحرية الشخصية

ويثير هذا القانون وتطبيقه جدلًا واسعًا على صعيدين، الأول أن محتواه يتعارض مع مبادئ الحرية الشخصية التي ينص على حمايتها الدستور السوداني 2005 وتعديلاته اللاحقة، والثاني مشاكل التطبيق المتزايدة وما تحتوي عليه من تجاوزات شتى من الناحية التنفيذية والقضائية، إضافةً إلى التمييز السلبي المباشر ضد المرأة وضد الفئات الإثنية والدينية والطبقية المستضعفة في المجتمع.

سوء تطبيق وتعارض

اللواء شرطة (م) حقوقي د. الطيب عبد الجليل، أبدى في حديثه لـ(التيار) عددا من الملاحظات في مقدمتها الإشكالية المتعلقة بتعارض قانون النظام العام مع مواد أصلها القانون الجنائي العام، واعتبر أن ذلك خطأ معيباً، باعتبار أن القانون القومي يسود على الولائي، وتناول أصول التشريع في مقدمتها أولًا الدستور ثم القانون القومي والقانون الولائي. ويضيف بأن قانون النظام في المقام الأول سياسي حاولت تنفيذه العصبة البائدة وتمرير أيديولوجيتها رغم الانتقادات وسوء التطبيق خلال نحو 30 عاماً، ونبه إلى أن الباب التاسع من القانون الجنائي حوى (4) فصول من القانون الجنائي، بجانب بعض المواد الأخرى المضمنة في الباب العاشر.

ضعف القيادات

ورأى أن التصريحات  المتضاربة غير المسؤولة تؤكد أن قيادات  الشرطة  الحالية ضعيفة وغير مؤهلة بتولي المهمة الجديدة في  عهد ما بعد سقوط المخلوع عمر البشير في ظل  المتغيرات الآنية والحالية، وتساءل :” قبل أيام مدير عام الشرطة يطالب بمنح الحصانة الكاملة رغم أن  الحصانة لمنسوبي الشرطة موجودة في القانون والآن مدير شرطة الخرطوم يطالب بعودة قانون النظام العام”. ورأى بأن المشكلة تكمن فقط في تطبيق القانون لأن الشرطة ممنوحة حصانة كافية تمكنها  من أداء مهامها، كما تناول عبد الجليل الضعف المهني للقيادات الحالية التي دائماً ما تضع حكومة الانتقالية في وضع حرج لجهلهم بالقانون. ويضيف بأن المشكلة الآن مشكلة قيادات  وليس قانونا”.

إلغاء قوانين

وتشير (التيار) الى أن المرأة كانت رهينة القهر والجلد والمطاردة، بموجب المادة (152/1) من القانون الجنائي لعام 1991، الذي أُبرم بموجبه قانون آخر، أطلق عليه “قانون النظام العام”، صدر عام 1996م، وشُكِّلت محاكم خاصة وفرق شرطية تابعة لها لتنفيذ القانون عبر مطاردة النساء في الشوارع والأماكن العامة، لفحص ما إذا كان زيّهنّ مطابقًا للشرع أم مخالفًا له وفق تقديرات أفراد تلك الفرق وأمزجتهم الشخصية، الأمر الذي نجم عنه كَثيرٌ من التجاوزات والانتهاكات والاستغلال والابتزاز.

الرقص المختلط

صدر قانون النظام العام المعيب بشكله الحالي، للمرة الأولى، كلوائح محلية خاصة بولاية الخرطوم فقط يوم 28 مارس عام 1996، في عهد الوالي السابق بدر الدين طه، تلك اللوائح صدرت في 7 فصول، و26 مادة، خاصة بتنظيم الحفلات العامة والخاصة، وضرورة الحصول على تصديق رسمي من الشرطة، لتنظيمها وفق العديد من الشروط التي يُلْزَمْ طالب التصديق على التوقيع عليها، مثل: عدم السماح بالرقص المختلط بين الرجال والنساء، وعدم السماح للنساء بالرقص أمام الرجال، ومنع إطلاق الأعيرة النارية في حفلات الأعراس، وعدم أداء أغنيات ذات مفردات (هابطة) تتنافى مع العقيدة والأخلاق السودانية السمحة، والوجدان السليم. كما حددت تلك اللوائح، (قانون النظام العام)، فيما بعد وحتى الآن، ضوابط لاستخدام المواصلات العامة (البصات)؛ حيث تخصّص مقاعد منفصلة للنساء.

مزبلة التاريخ

ورأى الخبير القانوني نبيل أديب في  تصريحات له بأن قانون النظام العام ذهب الى مزبلة التاريخ ولن يعود، على خلفية تصريحات مدير شرطة ولاية الخرطوم الفريق شرطة حقوقي عيسى آدم التي طالب فيها بعودة القانون بعد تحديثه.

وقال أديب: (لا أؤيد حديث مدير الشرطة وقانون النظام العام ذهب إلى مزبلة التاريخ ولن يعود)، وأشار إلى أن التعديلات التي تمت بعد الثورة لم تقتصر على قانون النظام العام، وإنما حزمة من القوانين القمعية التي كان الغرض منها تخويف المواطنين وإرهابهم حتى يقبلوا الاعتداء على حقوقهم، وأردف: لذلك أصبح المواطنون ينظرون للشرطة كعدو لأنها كانت تقمعه لأسباب بسيطة، وراهن على القوانين لعلاج التفلتات التي حدثت بدلاً من الكبت والعودة لقانون النظام العام، وذكر: كلما زاد الكبت زادت التفلتات، وأكد أن الأصل في القوانين احترام حريات وحقوق المواطنين وليس إخافتهم.

الزي الفاضح!

وفيما يتعلق بمادة الزي الفاضح، فقد وردت في القانون الجنائي لعام 1991، وهي المادة (152/ 1) سالفة الذكر، التي كُلفت شرطة النظام العام (أمن المجتمع) بتنفيذها، وتثير هذه المادة جدلاً واسعاً، وتتعرض لانتقادات كثيرة، ليس من قبل المنظمات الحقوقية والمدنية فحسب؛ بل من كلّ الشعب السوداني، كونها تمنح سلطات تقديرية واسعة لأفراد الشرطة، الأمر الذي يجعل بعضهم يتحرّشون بالنساء، ويبتزونهنّ بحجة أنهنّ يرتدين أزياءً فاضحة.

قضية لبنى

ولعلّ أبرز القضايا التي وقعت فيها شرطة النظام العام، كانت اعتقال الصحفية لبنى أحمد الحسين، عام 2009، وكانت حينها تعمل في إعلام قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في السودان (يوناميد)، في مطعم كوكب الشرق بالخرطوم، بتهمة ارتداء زي فاضح، رغم أنّها كانت ترتدي سروالاً واسعاً وفضفاضاً، وقميصاً طويلًا، وتضع وشاحاً على رأسها وكتفيها. وتمت محاكمتها، بموجب المادة 152، بالجلد (40) جلدة، لكنّ القاضي غيّر الحكم إلى غرامة تبلغ (500) جنيه، أو السجن لمدّة شهر كامل، لكن الصحفية رفضت دفع الغرامة، الأمر الذي أوقع الحكومة في مأزقٍ كبيرٍ، بعد أن ندّدت المنظمات الحقوقية والصحفية العالمية بالمحاكمة، فاضطر اتحاد الصحفيين السودانيين، التابع للنظام الحاكم، إلى دفع الغرامة للمحكمة، دون استشارة المُتهمة، وأُطلِق سراحها، فهاجرت إلى فرنسا، حيث تقيم إلى الآن.

ناشطة وقاضي

وهناك أيضاً حادثة سيطرت على وسائل الإعلام المحلية والعالمية في ديسمبر 2017، حيث أوقف وقتها أحد وكلاء النيابة شابة في الشارع العام، بحجة أن ما ترتديه يعدّ “زيًّا فاضحًا”، رغم أنّها كانت ترتدي تنورة وبلوزة عاديتين، لكنّ لسوء حظّ ذلك الوكيل، كانت الشابة وتُدعى (ويني عمر)، صحفية وناشطة حقوقية، فأسقط في يده حين جادلته، وعدّت توقيفه لها خرقًا للقانون، وابتزازًا رخيصًا، فما كان منه إلّا أن حرّك ضدّها إجراءات قانونية، وعبث بهاتفها الشخصي، واطّلع على محتوياته من مراسلات وصور، قبل أن يحيلها إلى المحكمة؛ حيث قرّر القاضي بأنّ الزي الذي كانت ترتديه ويني، أثناء توقيفها من قِبل وكيل النيابة لم يكن فاضحًا، وأنّ البلاغ المقدَّم في حقّها فيه شبهة تربص، فما كان من وكيل النيابة، إلّا أن دافع عن نفسه بطريقة مثيرة للسخرية والضحك، حين قال للمحكمة: “إنّ طريقتها في المشي لم تعجبه، لذلك جاء بها إلى هنا”، وهكذا قضت المحكمة ببراءتها، وأغلقت القضية.

إلّا أن ويني عمر، بعد حصولها على البراءة، قالت في تصريحات صحفية: إن “منظمات الدفاع عن حقوق المرأة، ستواصل حملتها ضد المادة 152 من القانون الجنائي، التي تمسّ كرامة النساء. وإنّ سعادتها بالبراءة لن تكتمل إلّا بإلغاء تلك المادة”.

اترك رد