حديث المدينة // عثمان ميرغنى ( أول مسمار في نعش الانتقالية )

0
683

 

في العام 2016 زرنا تركيا والتقينا بمفكرين وسياسيين وإعلاميين، وفي لقاء  لا زلت أذكر تفاصيله جيداً تحدث إلينا وزير الاقتصاد التركي السابق والذي على يديه شهدت تركيا إنطلاقتها الكبرى من دولة ترتيبها 110 عالمياً إلى تخوم العشرة الأوائل اقتصادياً..

قلت للوزير ، لو افترضنا إننا في السودان أردنا أن نقتبس تجربتكم الاقتصادية، لصناعة نهضة اقتصادية سودانية،  فمن أين نبدأ؟ رد علي سريعاً (أبدأوا بحقوق الإنسان ودولة القانون)…

لم يكتفِ بهذا العنوان المفاجئ بل طفق يسرد  أرقاماً اقتصادية تبرهن على الصلة الوثيقة بين احترام حقوق الإنسان ودولة القانون والنهضة الاقتصادية، فهي ليست مجرد فكرة مخملية شاعرية بل أرقام وحقائق تربط النهضة بحقوق الإنسان ودولة القانون..

الآن في سودان ثورة  ديسمبر نحتاج لفهم ارتباط العلاقة بين حقوق الإنسان والنهضة، ولا يمكن أن تصنع دولة متحضرة دون احترام مبادئ دولة القانون وترفيع معايير حقوق الإنسان من حيث كونه إنساناً بعيداً عن  السياسة والطائفية الجديدة..

لا أعرف كيف يمكن أن نبني دولة السودان الحديثة والمعتقلات والسجون تفيض بالموقوفين ولأشهر طويلة بلا محاكمات أو حتى تحرٍ جنائي، في كل يوم أتلقى في بريدي الإلكتروني  رسائل كثيرة من مواطنين عاديين لا علاقة لهم بالسياسة ومكائدها، يشكون من إنهم تعرضوا للحبس على ذمة قضايا أحياناً مجهولة ، ولفترات طويلة ولا رقيب يحرس حقهم في التمتع بدولة القانون التي لا تسمح بإبقاء شخص خلف قضبان الحراسات ولو لساعة واحدة إلا وفق نظم عدلية قياسية معلومة ..

في سودان بعد ثورة ديسمبر لا يزال الفهم العام أن العدالة لمن يستحقها ، فهي ليست من الحقوق المتاحة بالضرورة لأي شخص حتى ولو لم يكن سودانياً، بل تضبط معاييرالعدالة  بالمقاس لمن يسمح له المزاج السياسي بالمقاس..

في مثل هذه الحال؛ لا يصبح السؤال عن غياب معايير دولة القانون فحسب؛ بل على مستقبل النهضة الاقتصادية والاستثمار في ظل هذا الاعوجاج السافر في موازين العدالة والقانون..

والمصيبة الأكبر؛ لا يبدو إن أحداً قلق على غياب دولة القانون. فلا أحد يسأل كم عدد المعتقلين بلا محاكمات ولا حتى تحرٍ، وماهي  أحوال الحراسات والمعتقلات؟  هل تتوفر فيها  الشروط  اللائقة بكرامة الإنسان؟

معايير العدالة ودولة القانون لا تسمح بتمييز متهم عن آخر ، ولا مواطن عن آخر.. فالجميع سواسية أمام القانون..

إذا استمر غياب دولة القانون فسيكون هذا أول مسمار في نعش الحكومة الانتقالية.

 

اترك رد