واحة فنون … عوض إبراهيم عوض .. متى تنمحي عبارة ملعون أبوكي بلد؟

0
26

 

لا شك أن كل وطني غيور على مسيرة هذا السودان يتطلع إلى اليوم الذي تكون فيه الخرطوم منطقة جذب للسواح والمستثمرين من كل أنحاء الدنيا لكي نطبق شعارات الثورة ونرسخ أقدام الوطن. والكل يتمنى للخرطوم أن تكون أجمل العواصم وأرقى مدن القارة الأفريقية على إطلاقها. وإذا لم يكن ذلك فعلى أقل تقدير يتمنى كل وطني غيور أن تعود الخرطوم إلى ماضيها القديم الذي كان الناس يتحدثون عنه داخل وخارج الوطن بكل الفخر والاعتزاز. فقد وصفها كثير من الأوربيين ومنهم مستر جوفري آرشر البريطاني الذي عاش فيها بأنها أم العواصم. وغرد فيها شعراً الأديب والعالم النيجيري النحرير شيخو قلدنشي أروع الأشعار. ووصفتها الراحلة العظيمة ميريام ماكيبا بأنها أجمل مكان عاشت فيه على ضفاف النيل الأزرق عندما آواها السودان ومنحها جنسيته بعد أن نزعت منها قوات الأبارتايد جنسية وطنها جنوب أفريقيا. وتطول قائمة التغزل في جمال الخرطوم، وطمأنينتها، ورخائها، وطيبة أهلها الذين لم يكونوا يتركون للضيف فرصة إلا واستثمروها في الترحاب به والتنزه به حول حدائقها الغناء وفنادقها الأنيقة ومتنزهاتها الخضراء وكثبانها البيضاء على ضفاف أو مقرن النيلين. وبعد كل تلك السنوات الناصعات الرائعات التي كان فيها أجمل فساتين العرائس هو فستان الخرطوم بالليل الذي نال اسمه من جمال المدينة وبهرجتها ولمعانها عندما تهجد الأنام وينحسر السابلة عن الطرقات ويلزمون مضاجعهم داخل البيوت. كان جمال الخرطوم يظهر أكثر بهاءً في تلك اللحظات عندما تتلاصف فيها الثريات وأنوار النيون بألوانها الزاهيات، ويظهر جمال الأزاهير المحفوفة بالأضواء المتلألئة بين الأرصفة النظيفة والمطاعم الراقية وصالات الموسيقى التي تضاهي روعة باريس وجمال لندن. فأين كل هذا اليوم من السواطير التي يشهرها عصابات النقرز في وجه كل من حباه الله بدراهم معدودة لينهبوها منه في وضح النهار؟ أين الخرطوم من أرتال القمامة التي فاضت بها شوارعها والأزقة والحواري حتى أزكمت حتى أنوف الذباب الذي يتطاير حولها من كثافة النتانة والقذارة؟ أين الخرطوم اليوم من جيوش المتسولين الذين ملأوا جنبات الطرق وشوهوا حيطان بيوت الله بقاذوراتهم التي لم يجدوا لها ملاذا غير هاتيك الأماكن الطاهرة؟ أين الخرطوم من صفوف الرغيف والبنزين والغاز التي سودت وجوه الجميع فصاروا كالحين كطرقة الليل البهيم الذي لا يدع أية فرصة للابتسام أو التفاؤل في وجوه الناس؟ أين الخرطوم اليوم من الملايين التي عشعشت حول أطرافها لتسلب منام الآمنين في كل الليالي عندما يتحول المئات من هؤلاء النازحين إلى قطاع طرق وزوار ليل لا يرحمون حتى الأطفال والعجزة من المعوزين مثلهم؟ أين الخرطوم اليوم من هذا الهلع الذي سكن في نفوس الناس وحرمهم أبسط مقومات السكينة والطمأنينة؟ أين الخرطوم من هذا الخوف المستشري في أوصالنا ونحن خارج الوطن على أبنائنا وجيراننا وأحبابنا الذين كلما سألناهم عن الأحوال حرضونا على عدم المجيء إلا في صناديق الجنائز؟ إلى متى أيها القائمون على أمر الوطن تهرب السكينة من أرض الوطن؟ ومتى سنحصد ثمار الثورة وننعم بالرخاء والجمال في وطن كان مصدراً للجمال؟ وكم حجم ما فقدناه من أمل وطموح في حياة رغدة وأعشاش هانئات تضم أفراخنا الزغب الصغار وتجعلهم يقولون (وطني ولا ملي بطني)؟ متى أيها الأشاوس نمسح من قاموسنا عبارة (ملعون أبوكي بلد؟)

 

 

اترك رد