من كنانتى // النور حمد ( عبد الخالق محجوب في كتاب متميز )

0
40

 

عنوان هذا الكتاب المتميز: “عبد الخالق محجوب: الوعي وأزهار القناديل”. اسم مؤلفه: حسن محمود الريح. الناشر: دار المصورات – الخرطوم. تاريخ النشر: 2020. عدد الصفحات 265، من القطع المتوسط، متضمنة قائمة المراجع.

عالج هذا الكتاب أحداث انقلاب يوليو 1971 ابتداءً من هروب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، عبد الخالق محجوب من معتقله بميز الضباط بمصنع الذخيرة في المنطقة العسكرية بالشجرة، جنوبي الخرطوم، وحتى حدوث الانقلاب. وقد منح الكاتب اهتماماً خاصاً للأيام الخمسة الأخيرة في حياة هذا الزعيم والنجم السياسي البارز، التي أمضاها وهو مطارد، عقب فشل انقلاب يوليو 1971.

أورد المؤلف تفاصيل تلك الأيام المفعمة بالحزن والأسى، التي حاول فيها الزعيم إيجاد مخبأ لنفسه،، في عديد البيوت، فتعذر عليه إيجاده. وظل يتنقل من بيت لبيت طالباً الملجأ، وهو بين الرجاء واليأس. فقد اعتذرت له عدد من البيوت عن منحه مخبأ. وربما كان السبب الغالب وراء ذلك، أن وسائل إعلام نميري ظلت تكرر النداءات للإرشاد عليه. وتنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور، كل من تحدثه نفسه بإخفائه. خرج الزعيم من الخرطوم، حين تأكد له فشل الانقلاب. واتجه إلى أم درمان، حيث منزل القيادي الشيوعي المعروف، حسن الطاهر زروق، في الحارة الثانية بمدينة الثورة. وقد كان حسن الطاهر زروق وقتها غائباً في بلغاريا. وكان هناك شاب قريب لحسن الطاهر يعيش في المنزل. في لحظة ما سمع عبد الخالق ومضيفه الشاب من التلفزيون، التهديد الشديد والوعيد المزلزل لكل من يؤي الزعيم الهارب. أحس الزعيم أن الشاب قد اعتراه قلق واضطراب. فغافله لحظة ذهابه إلى جزء آخر من المنزل، وخرج ميمماً شطر الحارة السادسة سيراً على الأقدام، مستخدماً الشوارع الداخلية، قاصداً بيتاً آخر لأحد الرفاق. وهناك صده صاحب الدار على عقبيه. فسار راجلاً مرة أخرى، عبر الشوارع الداخلية من الحارة السادسة، عبر الحارة الثانية، عبر مقابر أحمد شرفي ثم سار شمال كلية التربية شرقاً عبر حفر القمار والكبجاب وصولاً إلى أبوروف، حيث منازل الأقارب.

في بيوت أقاربه آل حسن وحسين الكد، في حي أبوروف العريق، وهي بيوت معروفة بانتماء بعض أفرادها للحزب الشيوعي السوداني، وضح أن الاختباء فيها غير مناسب. فخالد الكد، إبن هذه الأسرة، كان هو الآخر مطارداً. كما أن نسوة تلك البيوت شعرن بالخطر الداهم الذي يتهدد إبن الأسرة خالد الكد وخاله زعيم الحزب الشيوعي، وبالفجيعة القادمة، فانخرطن في العويل والبكاء. وهو ما كان سيلفت نظر الجيران وسكان الحي. حاول الزعيم المطارد أن يجد مخبأ لدى رفاقه من أعضاء الحزب في حي أبو روف، بدلاً عن بيوت أقاربه. لكن كثيرين منهم كانوا حينها قد نزلوا تحت الأرض، كعادة الشيوعيين ساعات الخطر، أو آثروا النجاة بأنفسهم. تحت وطأة الشعور بالتنكر والخذلان أملى الزعيم على قريبه طه الكد، هذه العبارة المفعمة بالأسى: “الذين كانوا يتمنون تقبيل حذائي تخلوا عني الآن”. ولقد وقف طه الكد، وهو الأقرب إلى الإسلاميين، موقفاً اتسم بالشهامة والنبل مع خاله، زعيم الحزب الشيوعي المطارد. فقد كان هو الذي رافقه، طيلة رحلة البحث عن مخبأ، عبر أزقة أبوروف.

أورد الكاتب سعي الزعيم المطارد في البحث عن مخبأ بتفاصيل دقيقة، عبر بحث دؤوب وتوثيق لشهادات أخذها من مختلف الشهود. ومن أهم ما وثق له هذا الكتاب إثباته لحقيقة تخطيط عبد الخالق محجوب للهروب من معتقله بالشجرة إلى منزل قائد الحرس الجمهوري في داخل القصر الجمهوري. وكذلك تخطيطه لإنقلاب 19 يوليو مع الجناح العسكري للحزب، من غير علم اللجنة المركزية للحزب، بإستثناء قلة قليلة. وكان ذلك حرصاً على إحكام السرية حول الانقلاب المخطط له. ومما يؤكد تلك الحقائق ممارسة عبد الخالق محجوب في أيام الانقلاب القليلة مهام رجل الدولة، من مقره في الخرطوم. فقد تولى المقابلات الرسمية، ومنها مقابلة القائم بالأعمال العراقي، والصحفي المصري، أحمد حمروش الذي بعثه الرئيس السادات.

تميز هذا الكتاب بسرد روائي ممتع بلغة بسيطة واضحة، كما تميز بأمانة علمية. فرغم تعاطف الكاتب مع الزعيم الخالد، وربما تماهيه مع أفكار الزعيم وتجربة الحزب الشيوعي ودوره في الحياة السياسية والثقافية السودانية، فإن ذلك لم يخرجه من الحياد التوثيقي. فقد أجلى هذا الكتاب حقائق أحداث جسام طالما لفها غموض والتباس. وسيبقى هذا الكتاب مرجعاً متميزاً، لا غنى عنه، لكل من يتناول أحداث انقلاب 19 يوليو 1971.

اترك رد