بروفيسور جعفر ميرغني في أضواء على الحضارة السودانية بحديقة (التيار)

0
88

 

الحلقة الثامنة

دمج المرحلة الاولية مع الوسطى خطاء

لا توجد قيمة للوقت بالسودان وهذه ظاهرة سيئة

نحن الدولة الوحيدة التي لم تملء خريطتها في قوقل

هذا(…..) من أشهر الاقطار ونحن نجهله

الإغريق من قبل الميلاد أشادوا بالحضارة السودانية

المرويون أول من عرف خطوط الطول ودوائر العرض في البلاد

المكتبات في الخرطوم تتعرض للضياع للأسف الشديد

لهذه الأسباب(….) الشيخ توفى ولم يتزوج

تحدث مدير معهد حضارة السودان ،عضو المجمع الثقافي العربي والمحاضر بجامعة الخرطوم، العالم المعروف البروفيسور جعفر ميرغني في الحلقة الحالية،عن عصر الانترنت وقارن بين شباب الأمس واليوم من حيث قدرتهم على تلقى المعلومات واتخاذ القرارات، وشدد على أهمية الدراسة والاطلاع على تاريخ الحضارة السوداينة وتجديد المكتبات السودانية بما يناسب التطور الآن.

تغطية : رشا حسن

عصر السرعة

قال البروفيسور، إنه اطلع على دراسة في الولايات المتحدة في التسعينات كان هناك أستاذ في مؤتمر تعاليم يتسأءل هل نحن الآن مؤهلون لتعليم الشباب اليوم! فأجابته بالتجربة، واتصل بأحد الطلاب الصغار وسأله ماذا تفعل بالضبط وأجابه الطالب “أحل الواجب الآن واستمع للمؤسيقى وأشاهد فيلماً على التلفاز، و الثلاثة أشياء يفعلها في زمن واحد وهذا يعني إننا في عصر السرعة ولكن واحدة من المشاكل التي تواجه الشباب الآن مثل قصة فيلم (لير) هو طفل حديث الولادة والده طبيب مسؤول معهد للأطفال المعاقين ذهنياً وهو إبنه بطريقة غير شرعية  فأخذه ووضعه للمشرفة وتكتم على الموضوع وأمه ذهبت لحالها ونشأ لير مع الأطفال المعاقين وتعلم الحديث وسطهم إلى أن بلغ (١٧) سنة والممرضة لاحظت ب؟إنه يقرأ بطريقة صحيحة وذهبت وأخبرت المدير الجديد ولم يصدقها ، ونادته وطلبت منه أن يقرأ وفعلاً قرأ وتفاجأ المدير وتسأءل من الذي جاء بطفل سوي ووضعه هنا وكان لير يسمع حديث الأطفال المعاقين حوله ويطبقه وبدأ يتحدث مثلهم وفي النهاية إكتشف الأمر بعد وفاة والده المدير السابق والقسم الذي نشأ فيه هؤلاء الأطفال حرق وتم تحويلهم إلى هنا، حكيت هذه القصة لأنه حين أنشأت إدارة التعليم في البلاد فكروا بدمج المرحلة الأولية مع الوسطى وإلى الآن مدمجة وهذا الدمج خطأ، لخوفنا من الكبار على الصغار وإذا كان هناك طالب عمره (١٥) سنة “حيتمطى” في “المزيرة” لشرب الماء مع آخر عمره (٥) سنين لن ينمو عقل الكبير، وقديماً قسم التعليم على حسب مراحل العمر، وفي الحي أو القرية الشخص الذي يبلغ من العمر (١٠) سنين لا يلعب مع شخص دون (٧)سنين.

شباب الأمس واليوم

الشباب الذين أصبحوا يتماشون مع سرعة الأنترنت وهذا عصر جديد عقلهم قابل للتطور بسرعة وواسع الإتصال بالعالم وعندما نفرض عليه نحن علقنا وما أبطأ تفكيرنا ودائماً القرار نأخذه بعد ٩٠٠ يوم، وواحد من الظواهر السيئة في السودان لا توجد قيمة للوقت وبطيئين جداً لذلك لا أستغرب بإن كثيراً من الشباب حين اتصلوا هاتفياً بي يطلبون أن يعرفوا بسرعة وأنا مدرك هذا الأسلوب وحريص بذكر المراجع على أساس أن أزيح الهم الأكبر وهو أن يتوفر هذا الحديث في فلاش ويستطيعوا أن يطلعوا عليه في لحظة وفي “القوقل” نحن الدولة الوحيدة التي لم تملأ خريطتها وهذا الشباب يحتاج حقيقة إلى من يستطيع أن يديره، أول شيء وضع المعلومات التي غابت عن الكبار الذين أخفقوا في وضع الخطة الإستراتيجية المحكمة والمعالجة السليمة عن جانبى التنمية والإقتصاد هذه المعلومات يمكن أن يتناولها الشباب بسرعة البرق وأهم حديث في حلقة اليوم الآن الشباب بدأ في كيف يستدرك هذا التراث الضائع وهذا جانب مهم لأن بالعلم حياة الأمم وسعادتها ومن رسائل الكلية ترويج العلم ويتم في كل عاصمة ومديرية فتح مدرسة وسطى ودعونا نعود إلى القاعدة التعليمية التي وجدت في السودان وهي موجودة في المدارس الوطنية القديمة والبحث في تاريخها أمر مهم وشيق، والأوربيون حين جاوا مع فتح إسماعيل باشا للسودان التحق مع الجيش عدد من الخبراء والعلماء لاستكشاف البلاد، وقال أحدهم عائدات هذه الحملة إنها فتحت قطراً في غاية الأهمية لابد من المعرفة به وهو من أشهر الأقطار نحن نجهله ومنابع النيل  نجهلها وقال الجنرال الأمريكي اندليش الذي التحق بالجيش السوداني وكتب كتاباً عن الحملة على مدينتى دنقلا وسنار وذكر بأن البلاد التي نسير فيها الآن هي الشهيرة في التاريخ بلاد كوش وسبأ وكنداكة وبالنسبة لهم كانت أول مرة يتم رؤية هذه البلاد.

صفحات عن مروي

قال جعفر، إن العالم فريدريك كايو وضع كتاباً به أربع مجلدات عن الحملة وعنوانه رحلة إلى مروي وكان سعيداً لأن أصبح من أوائل المستكشفين للأرض ولأن المؤرخين الإغريق كتبوا عنها صفحات طويلة من قبل الميلاد أشادوا بالحضارة السودانية وكانوا مهتمين بدخولها لإكمال صفحة في دراساتهم العلمية وتتعلق بأمر شيق وهو من مدينة مروي جاءت إلى مدرسة الإسكندرية الأرصاد الفلكية التي أدت إلى قياس محيط الأرض وبالتالي يتم توزيع خطوط الطول وثورة في علم الجغرافيا، وحدث هذا عندما حكم الإغريق مصر أيام حكم الإسكندر الاكبر أنشأوا مدرسة ومكتبة وجمع لها الكتب من كل انحاء العالم وهي كانت عبارة عن محفل علمي وكتنشر طبق نفس الشيء في السودان مكتبة ومحفل علمي ومدرسة، والفكر الأوربي متصل الحلقات، ورئيس القسم  كان بارعاً في الجغرافيا توصل إلى علم بأن المرويين السودانيين قد عرفوا خطوط الطول وطلب إرصادهم الفلكي وقام بدراسته ولأول مرة يعرف خطوط الطول وعرف بإنهم حددوا مدار السرطان وآخر بقعة تصلها الشمس في حركتها شمالاً، ونحن الآن نتحدث عن علم قوى جداً وكان يدرس في السودان القديم وكيف عرفوا هذا الأمر حفروا بئراً عمودية جنوب أسوان وفي يوم من السنة أشعة الشمس تضيء كل جوانب البئر وهذا آخر نقطة تكون عليها الشمس عمودية ومن هنا استدرك أن زاوية الشمس عمودية وفي ذات اللحظة في الإسكندرية الشمس مائلة والمسافة من هنا للإسكندرية كم ميل وبحساب المثلثات استطاع أن يقاس في فترة وجيزة محيط الأرض بالأميال وعمل نموذج مصغر لكرة بالنسبة ورسم خطوط الطول ودوائر العرض وهنا أخذت الجغرافيا منحىً جديداً وما يتعلق بحديثنا أن مروي التي جاء منها الأرصاد عملت نقطة الصفر وجعلت المرجعية مروي وهذا موجود في الكتب الغربية.

نقطة الأرصاد

أضاف بأن كتب المؤرخ اليوناني استرابو يونانيا كتب عن علم الجغرافيا كتب عن الإرصاد  والآن مطبوع وأصبحوا متشوقين ليصلوا إلى السودان ليشاهدوا هذه النقطة التي جاءت منها الأرصاد و الأثار التي فيها وكان كثير من المؤرخين حريصين إلى إن يصلوا لهذا المكان ولكنهم فشلوا في أن يصلوا له ولكن قال “لعل باحثاً بعدي يعبر إلى الداخل” والذين جاءوا مع إسماعيل باشا الفرسان كايرو مبعوث من قبل أكاديمية فرنسية، ورولاند، ووصل رولاند المؤرخ الفرنسي الذي جاء مبعوثاً من قبل الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية إلى شندي قبل رولاند ونزل ضيفاً على المك نمر وسأله: هل يوجد في الداخل مكان بعيد من النيل فيه آثار؟ فأجابه  هناك مكان ضخم به آثار تسمى المصورات وذهب لها وقاس خط العرض وجده في خط ١٦ درجة و٢٥ دقيقة كما هو متوقع ولم يشك للحظة أن المكان فعلاً كان محل مرصد فلكي بعد شهر جاء عالم كايرو ووصل إلى نفس النتيجة والطريف في الأمر إن كل منهما كتب تذكاراً وفي عام ١٩٢٣م جاء روبليت عالم الماني آخر وقال من سوء الطالع إنه وجد أن محمد بك الدفتردار في معارك دموية مع المواطنين وذكر بإنه معسكر في مناطق شندي وكان شاهد عيان على هذا القتل وقال كل يوم أنظر بالمنظار إلى الأهرامات ومحمد بك منعني من العبور وكل السكان هربوا من القرى من بطش الأتراك وقال هذا الرجل سفاح وقاتل وفي مرة واحدة قتل (٥٠)  ألف جمعهم وضربهم بالرصاص وتم حرقهم بالنار وسجل روبليت بإن هذا سوء طالع بإنه لايستطيع أن يصل إلى المصورات ويسجل اسمه وأطرف شيء إنه جاء بعده أمير نمساوي بكلر وقال إنه  وجد تذكارين وبما إنني وصلت هنا أستطيع أن أسجل اسمي في قائمة الشرف.

المدرسة قديماً

عاد جعفر إلى الحديث عن العالم كايو الذي قال لم أشك لحظة في أن المكان كان مدرسة والجدران مليئة بخرابيش الطلاب ورسومات دقيقة للحيوانات وغيرها ومن هنا استطعنا أن نعرف الكثير عن التعليم في مروي القديمة، وكانت الكتابات  بأربعة حروف بالمروية والإغريقية واللاتينية والنوبية أول ما تكتب كلمة أجنبية لحروفك يعتبر إنك في مدرسة والكلمة التي استخدمت للمكان قديماً هي كلمة إغريقية تدل على المدرسة وكانوا يكتبون “اتهني كتكراء” وتعني تعيش، ودائماً الإنسان يحب أن تكون المدرسة التي درس فيها تعيش إلى الأبد وأذكر أبيات التجاني يوسف بشير ” قسم البقاء إليك في أقداره من شاد مجدك في قديم كتابه” و”اتهني” الآن مستخدمة لدينا في أشياء كثيرة ولكن نعود إلى قبل أن نصل إليها عبر الكتب الإغريقية أو عبر الكتابات على الحائط وصلنا إليها بطريق آخر هو أن التعليم التقليدي في السودان الذي بنى عليه البريطانيون أن يملأوا فراغ المدرسة الأولية كان هناك مفتش للمدارس السودانية في الثلاثينات عبدالعزيز أمين عبدالمجيد مصري وقال ليس هناك شخص كتب عن تاريخ التربية في السودان والكتاب الذي كتبه نال به شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة الأم ونحن محتاجون إلى مكتبة وهي موجودة في جامعة الخرطوم ولكن كغيرها من المكتبات تتعرض للضياع للأسف الشديد ، الآن نحتاج لمكتبة إلكترونية حقيقية جامعة ثم محفل علمي، وعبد العزيز سأل عن مراجع ووجد في ذات السنة إنه تم طباعة كتاب طبقات ود ضيف الله ودرسه وكتب عن تاريخ التربية بالبلاد من بداية القرن السادس عشر وحتى نهاية التركية ولم يجد مرجعاً أقدم من ذلك، ولأنه سأل عبد الرحمن علي طه وهو معلم كبير فى السن بإنه قبل الاستعمار هل كانت هناك مدارس وأجابه كانت توجد خلاوى وشرح له الخلوة وحظا بالكتاب وعمل تحليلاً إحصائياً للمفردات الفنية التي استخدمت فيه ووجد شيئاً عجيباً جداً أن الكتاب يتحدث عن التعليم والمدارس وهناك كلمة محورية في كل الكتب في العالم الإسلامي لم يخلُ منها الكتاب وهي المرحلة الأولى من التعليم تسمى “الكتاب” ومؤلف الكتاب لم يستخدم هذه الكلمة بينما قال أن الكلمة المهيمنة على الكتاب من أوله إلى آخره هي خلوة بمعنى مدرسة وهذا استخدام غريب في العالم الإسلامي.

الخلاوى ونشاطاتها

وتابع جعفر بأن عبدالعزيز زار بعض الشيوخ في مدن مختلفة كانوا يقولون مسجدنا هذا كان خلوى لكن التعليم وقف مدة وهذا غريب بالنسبة له ، فجمع وكتب كتاباً ومر على كل الخلاوى الموجودة واستطاع أن يدون تاريخاً جيداً عن الخلوة ، وبدوري تسأءلت إن قبل القرن السادس عشر هل كانت هناك مدارس وكيف كان شكلها، وكانت نقطة البداية الفتح في البحث هو مفتاح عبد العزيز أمين وهو لم يجد كلمة كتاب في السودان قط والكلمة الأخرى خلوة موجودة هنا وغير موجودة في بلاد أخرى وهذه الظاهرة تدل على أن التجربة التعليمية السودانية لم تقتبس كلياً من العالم العربي الإسلامي وأرجعنا الكتاب للتاريخ وأقدم إشارة للنشاط الذي تمارسه الخلوة في البلاد لأنها ليست للتدريس فقط بل بها مسؤولية اجتماعية وأخلاقية كبيرة.

حياة الشيوخ

وكان هيرودت أبو التاريخ وهو يكتب في القرن التاسع قبل الميلاد وهو أقدم وأدق كتاب تاريخ كتب عن السودان بصفحات جميلة من ضمن الأشياء التي ذكرها أن شيوخ العلم لا يقيمون في المدينة إنما في “الخلاء” مكان بعيد من المدنية وأن المواطنين يتبرعون لهم بالماشية والغذاء وغيرها وكل يوم الطعام ويتم تقديمه مجاناً هذه أقدم إشارة لنشاط تقدمه الخلوة من ناحيتين أولاً في المؤسسات التعليمية قديماً الشاب حتى سنة (١٠) سنين يدرس في الخلوة الموجودة في الحي أو القرية إذا رغب أن يستمر لابد أن يذهب إلى خلوة داخلية خارج قريته لأن المرحلة القادمة يمكث سبع سنوات في الخلوة وهذه السنوات يكون محبوساً فيه كما ذكرنا في الحلقات السابقة ويحبس ليبرمج متى ينام ويستيقظ وماذا يقرأ ويعمل ونتيجة ذلك طرفة طريفة أن المترجمين في كتاب الطبقات ٩٠% منهم توفى ولم يتزوجوا وليس هناك مساحة للحياة الزوجية وكتب بحث عن يوم المعلم ، ولأن عبد العزيز قال نفس كتب الأزهر ومناهجه ونفس عدد السنوات ولكن عدد الساعات في السودان أكثر في اليوم بساعتين من الأزهر وهناك محاضرتان قبل آذان الصبح وهي الافتتاحية لمراجعة الدرس السابق ومحاضرة بعد صلاة العشاء وهما غير موجودات في الأزهر وحين يتجه الطلاب إلى الداخلية يذهب الشيخ إلى غرفته ومعه أحد الطلاب ليوقد النار ويقرأ بصوت عالٍ الكتاب والشيخ يصلي قيام الليل لا يكاد ينام حتى يؤذن الصباح هذا هو يوم المعلم وليس هناك مساحة للمرأة ومن الطرائف “زمان البنت يتم عقد قرانها وهي صغيرة إحداهن رفضت الرجوع لزوجها وجاءوا بالشيخ لكي يهديها رفضت أن تقابله وأمها قالت لها يا بنت أطلعي هذا شيخ فلان ماعايزة تسمعي كلامه ، فأجابتها” شيخ فلان  شنو تارك سنة وفرض” الشيخ سمعها قال لها وريني السنة والفرض التركتهم فأجابتهم ” أنت قاعد لا مشيت حجيت عارف نفسك تموت متين؛ وقاعد تقري في الأولاد التاني قاعد لما شبت إلى الآن لم تتزوج سنة الرسول ماسويتها” وحكيت هذه القصة لأنها تؤكد على إنه منقطع لهذا العلم لأن هذه هي التقاليد من العهد المروي وكانت الإغريقية هي لغة التعليم آنذاك  وفي العصر السناري كان هناك أناس يجيدون الخط الإغريقي والسناري وكانت هي لغة التعليم وهؤلاء المشايخ كانوا منقطعين انقطاعاً تاماً لتعليم أولادهم وتخريجهم وبعدها يحتفل به لأنه أكمل تعليمه وسرعان ما ينصرف إلى مكان ما في الصحراء “الخلاء” ويبدأ يحفر بئراً ويبني خلوة جديدة ويجمع حوله الطلاب وتم تحديدها من قبل المؤسسة وبالتالي المنشآت التعليمية كانت تسير بمتوالية هندسية خرجت (١٠) يذهبوا ينشئوا (١٠) مدارس وهكذا وفي الحلقات القادمة سنتحدث عن تاريخ البحث العلمي في السودان وسنعرف ماذا نستفيد من التجربة القديمة البريطانية.

اترك رد