حديث المدينة // عثمان ميرغنى ( الطائفية الحديثة.. )

0
169

 

للعلامة دكتور جعفر ميرغني وصف دقيق للحالة السودانية، يرى أن المشهد السوداني العام يعاني من “الطائفية الحديثة” ففي رأيه أن  (الطائفية سلوك وليست مجرد عقيدة ولاء).. فكثير من الناس يعتقد أن كلمة “الطائفية” هي مرادفة للأحزاب التقليدية التي يقوم فيها السيد مقام “العقل” الآمر الناهي، فمثلاً حزب الأمة يعتمد على طائفة الأنصار ذات الولاء العقيدي التاريخي الذي لا يحتمل الأخذ والرد في مقام الزعامة..

وكذلك حزب الاتحادي الديموقراطي، ركنه الأساسي طائفة الختمية بولاء عقيدي متماسك لا يسمح أن يكون السيد في موضع الجدال أو الأخذ والرد..

لكن د. جعفر ميرغني يرى أن هذا السلوك “الطائفي” متجذر في الغالبية العظمى من المكونات السياسية السودانية حتى النخب ذات القواعد الحديثة، فالحزب الشيوعي مثلاً، تدين عضويته بولاء غير قابل للأخذ والرد، وكذلك بقية الأحزاب اليسارية.. والحركة الإسلامية بمختلف أحزابها لا تمنح الفرد حق التفكير المطلق بعيداً عن فهم أو خط الحزب، فالأحزاب تصادر حق عضويتها في التفكير الحر والإرادة الذاتية .

لكن أخطر ما في السلوك الطائفي أنه لا يسمح للحكمة أن تأتي من الأخر إلا عبر البطاقة الحزبية.. بمبدأ (أبرز بطاقتك أولاً؛ لأحدد هل أسمعك!).. فتصبح الديموقراطية مجرد بطاقة ورد جميلة لالتقاط الصور التذكارية أو “السلفي” لكن الممارسة الحقيقية مرهونة لعقلية “طائفية” لا تقدر على مد البصر إلى خارج أسوار ما يفكر فيه الحزب..

من هذا المنطلق فلا فائدة – والاستطراد لي- من التعويل على المصطلحات، والأجدر التحديق في عورة السلوك السياسي العام دون ربطه بالمصطلحات، فلا حاجة لوصف حزب  أو فكر بأنه “ديموقراطي” بل الأجدر أن يحاسب كل سلوك بمقياس حقيقي يوضح هل ينسجم مع  مبادئ الدولة العصرية أم لا.. فقد يمارس  حزب تقليدي عتيق – في لحظة  فارقة- سلوكاً ديموقراطياً رصيناً.. بينما يقع حزب مدجج بالألقاب الديموقراطية في سلوك يعبر عن منتهى الديكتاتورية وحجر الرأي الآخر.

يصبح السؤال الحتمي ما فائدة الانتخابات – إن وصلنا إلى ميس الفترة الانتقالية- إن كانت مجرد اختيار بين ألوان الطائفية؟ أزرق أخضر أحمر بنفسجي كلها مجرد ألوان لجوهر واحد هو “الطائفية” الحديثة.

لا أقصد بهذا الحديث أن ألغي فكرة الانتخابات كأداة للتداول السلمي للسلطة، لكني أقصد أن نجعل “السلطة” نفسها  بعيدة عن تقرير مصير البلاد في القضايا التي لا تقبل الشتات والتفكير المحجور بالطائفية الحديثة..

بعبارة أخرى، صريحة، كل مايتعلق بالنهضة التنموية وبناء الدولة يجب أن لا يوكل لسلطة سياسية عابرة مهما ساندها صندوق الانتخابات، فالوصف الوظيفي لمن يدخل القصر الجمهوري لا يجب أن يخترق حدود المؤسسات التي  يتكون منها بنيان الدولة.. فالساسة للسيادة لا للإدارة..

إعادة هيكلة الدولة السودانية شرط من شروط النهضة لبناء دولة السودان الحديثة.

اترك رد