حديث المدينة // عثمان ميرغني (مناوي والجيش والسلطة)

0
125

 

 

السيد مني أركو مناوي، رئيس حركة و جيش تحرير السودان وعضو شركاء حكم الفترة الانتقالية، يحمد له شجاعته في الجهر بكثير مما يخشى الساسة الاقتراب منه.. وكثيراً ما تبدو أفكاره صادمة ليس من حيث معناها بل لكونها تخترق حاجز الصمت المضروب حول قضايا يتعامل معها الساسة بمبدأ “سكِّن تسلم”..

قبل أيام قليلة في مؤتمر لحركته  أطلقوا عليه صفة “تداولي تنظيمي”  بفندق القراند هوليدي فيلا دخل مناوي طائعاً مختاراً حقل ألغام يخشاه الكثيرون، تساءل ؛ علاقة الجيش بالسلطة هل تنتهي بنهاية الفترة الانتقالية ؟

وقال (نحن في حاجة لخلق أنموذج متدرج وصولاً للديمقراطية الدائمة.(

دعا  مناوي إلى تبني رؤية جديدة لا تُنهي علاقة الجيش بالسلطة مباشرة بعد نهاية الفترة الانتقالية، فهو يرى أن ذلك قد يقود العسكريين لوضع العراقيل أمام نهاية الفترة الانتقالية.

ورغم إقراري بشجاعة مناوي لإثارة هذه المسألة، لكني اختلف معه في المقترح تماماً، ففي تقديري من الأفضل البحث عن معادلة ترسم العلاقة بين الجيش والسلطة تتجاوز الأطر السابقة التي تجعل الجيش أما مبادراً بانقلاب عسكري (بمحاولات ناجحة و فاشلة) ، أو مدعواً بواسطة الشعب لتسلم السلطة للتخلص من حكم ديكتاتوري كما حدث في أكتوبر 1964 ثم إبريل 1985 ثم أخيراً إبريل 2019.. أو ربما في حالة نادرة مدعواً بواسطة أحد الأحزاب لتسلم السلطة كما حدث في واقعة انقلاب الجنرال إبراهيم عبود بدعوة من حزب الأمة.

ضعف الحكومات المدنية يغري الطامحين للقفز في السلطة، فالواقع أن الانقلابات العسكرية التي نجحت في تسلم السلطة لم تبذل أي مجهود يذكر، إنقلاب عبود كان تسليماً وتسلماً، إنقلاب نميري بضع ضباط شباب ترقوا لرتبة الرائد قبل أسبوع واحد نجحوا فجر 25 مايو 1969 من “خور عمر” تسلم الحكم بلا نقطة دم واحدة.. ثم انقلاب الإنقاذ 1989 كان يصر قائده على تكرار عبارة (أنا وأخوي بكري برانا استلمنا القيادة).

كان واضحاً من تجارب تاريخ السودان المعاصر أن الانقلابات العسكرية تسقط الحكومات المدنية كما تسقط الثمرة بعد نضجها (لم أقل تعفنها).. بعد كل ثورة شعبية تعلو الشعارات والهتافات إلى عنان السماء ثم تبدأ رحلة الانحسار حتى تخبو الشعلة وتبدأ مرحلة الإحباط ثم اليأس لتنتهي بالشماتة صباح المارشات العسكرية، مثلما  كتب الأستاذ بشير محمد سعيد في افتتاحية صحيفة الأيام بعد انقلاب مايو ووضع عنواناً (اللهم لا شماتة!)

في تقديري؛ معادلة الجيش في السلطة سهلة إذا تجنبت المزايدات والهتافيات الهوجاء.. فمن الممكن تصميم إطار جديد للدولة يجعل الجيش سلطة تتوازى مع السلطات الثلاث، التنفيذية والقضائية والتشريعية.

سيكون للجيش والقوات النظامية الأخرى حق تعيين وزيري الدفاع والداخلية ( كما هو الحال الآن) وتمنح القوات النظامية مقعد “النائب الثاني ” لرئيس الجمهورية، حيث يحتفظ الحكم المدني بمنصبي رئيس الجمهورية والنائب الأول لرئيس الجمهورية.

كما تمنح القوات النظامية نسبة ثابتة في المجلس التشريعي “البرلمان” فلتكن 25% على أن يكون 15% من المتقاعدين، و10% فقط هم في الخدمة.

بهذه المعادلة أو شبيهٍ لها تظل القوات النظامية جزءاً من معادلة السلطة حافظاً للأمن الوطني السيادي والسياسي معاً.

وتنتهي حدوتة الانقلابات العسكرية.

اترك رد