حديث المدينة // عثمان ميرغنى ( “شكلة” بنك السودان! )

0
272

 

قادتني الصدفة أمس الأول  لأحد مراكز الزحمة في قلب الخرطوم، وأسعد كثيراً بالحوار المتصل الدائم مع الذين يستوقفونني دون سابق معرفة ويدلون بآرائهم أو يوجهون انتقادهم لحال البلد..

لكن هذه المرة أدهشتني ملاحظة محيرة،  كل الذين استوقفوني وما أكثرهم، كان القاسم المشترك بينهم ما دار في بنك السودان المركزي – ولمجرد التوثيق إذ أن ما نكتبه هنا يظل في دار الوثائق المركزية لتقرأه أجيال بعدنا-  كانت لجنة إزالة التمكين أصدرت قراراً بفصل عدد كبير من موظفي بنك السودان المركزي في مختلف الدرجات،  ثم أصدر محافظ البنك المركزي قراراً بإعادتهم للخدمة، فأصدرت لجنة إزالة التمكين بياناً تؤكد قرارها.

الذي لفت نظري اتساع الاهتمام والمتابعة على المستوى الجماهيري بقضية مفصولي بنك السودان، فحتى وسائط التواصل الاجتماعي تضج بالجدال بين مؤيدي القرار الأول ، وأنصار قرار المحافظ..

بكل المقاييس لجنة إزالة التمكين وبما توفر لها من سلطات مبالغ فيها قادرة على إدارة معركتها، وفي الضفة الأخرى محافظ بنك السودان المركزي شخصية رفيعة لواحدة من أهم مؤسسات الدولة.. فهي معركة متكافئة، فيصبح السؤال ، ما دخل الجمهور بهذه “الشكلة”؟؟

السؤال ليس محاولة لتهوين انعكاس القضية جماهيرياً بل للفت النظر لثغرة خطيرة للغاية تهدد الفترة الانتقالية برمتها.. وهي في تقديري تشتيت تركيز القوة الجماهيرية بقضايا فرعية ، بينما أولويات وقضايا في غاية الخطورة ولا تجد الضغط الجماهيري الذي يعجل بعلاجها..

مثلاً..

المار في شوارع الخرطوم ليلاً أو نهاراً يؤذي سمعه هدير آلاف مولدات الكهرباء الخاصة، التي علاوة على التلوث البيئي والسمعي فهي تستهلك الوقود الذي يمثل واحداً من أفدح فواتيرنا الخارجية.. وحسب المعلومات المتاحة لنا لم يتوفر لشركة الكهرباء هذا العام المال لإنجاز الصيانة الدورية لضمان صيف بلا انقطاع للكهرباء..وكل التوقعات تؤكد أن صيف هذا العام سيكون “تاريخياً” يذكر الناس بتسعينات القرن الماضي عندما غنى الشعب (الكهرباء جات أملوا الباغات).. وللشباب الذين لم يحضروا ذياك الزمان كانت الكهرباء تقطع بالأيام وليس الساعات..

تبدو المقارنة محيرة بين اهتمام الشعب بـ”شكلة” بنك السودان، وتغافله عن  الأزمات الخطيرة المقلقة التي لا تؤثر على حياة الناس فحسب بل تهدد الفترة الانتقالية ..

ولا أريد سرد قائمة الفوادح التي تعانيها بلادنا الآن، لكني فقط أرسم دائرة حمراء حول الانشغالات بالقضايا الطارئة وترك المحن الكبرى المحدقة بالبلاد..

القضايا الداخلية بين المؤسسات الحكومية تحسمها هذه المؤسسات بما لديها من قدرة على الحوار والاحتكام للقانون والمرجعيات الأعلى، تماماً كما حسم الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء الجدال في هذه القضية باجتماع واحد خلص للنتائج التي تراضت عليها مؤسسات الدولة بلا حاجة لتدخل الجمهور من المدرجات..

من الحكمة أن يستشعر الشعب بمنتهى الوعي أولويات المرحلة ويمارس أعتى درجات الضغط على الحكومة في كافة مستوياتها لإنجاز المهام بأعجل ما تيسر..

واتركوا “شكلة” قيصر لقيصر..!!

اترك رد