الخطب أكبر من خطاب الوزيرة

0
57

مصعب الريح رشاش

 

في تلك الجلسة الغريبة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر من العام 1960 لم يجد الرئيس السوفيتي ( نيكيتا خروتشوف ) أسلوباً مناسباً يرد به على خطاب رئيس الوفد الفلبيني ( لورينزو سومولونغ )الناقد لسياسة الإتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية , غير خلع حذائه و الطرق به بغضب على الطاولة أمامه . و يذكر أديبنا الكبير الطيب صالح في مقال ممتع بأن خروتشوف أثناء طرقه بالحذاء على الطاولة كان يردد عبارات خجل كل مراسلي المحطات الإخبارية عن ترجمتها و نقلها إلى الجمهور . و المدهش في الأمر أنه لم تتسبب تلك الأحداث في وقوع الحرب العالمية الثالثة التي كان العالم يتوقع نشوبها عند أية لحظة إبان سنوات الحرب الباردة الطويلة . و الحادثة لغرابتها و طرافتها موثقة في الموسوعة العالمية ( ويكيبيديا ) و غيرها من دوائر التوثيق بروايات مختلفة مثلها مثل كثير من أحداث السياسة العالمية التاريخية الصادمة .

خطاب السيدة وزيرة الخارجية في مصر الذي يندرج تحت بند الأحداث الدبلوماسية غير المعتادة وجد حظاً كبيراً من التحليل و النقد و أحياناً السخط  رغم أنه لم يرق إلى مصاف الكوارث الدبلوماسية العالمية مثل الذي فعله خروتشوف . و لكن في تقديري أن هناك نقاطاً مهمة يجب تسليط الضوء عليها على خلفية خطاب الدكتورة مريم الصادق : –

أولاً : فيما أرى أننا كثيراً ما نستعمل الأدوات الخطأ في نقدنا للأداء السياسي و تنهال السكاكين في العادة على جسد الثور ( الوقع ) و ينتهي العزاء عادة بإنتهاء مراسم الدفن لنعود نبحث عن ضحية أخرى .و هكذا تظل ساقية جحا تدور عندنا من البحر إلى البحر .ففي تقديري أن سلوك المسؤولين و تصريحاتهم بشأن العلاقات الخارجية تحديداً يجب أن تقاس بمدى توافقها أو مخالفتها لسياستنا الخارجية في المقام الأول . و لكن الواضح أننا في ظل حكومة الفترة الإنتقالية الحالية لا نملك سياسة خارجية متفق عليها حتى الآن . و بدا ذلك من الموقف المختلف للمكونين العسكري و المدني من قضية التطبيع مع إسرائيل و الخطوات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة بذات الخصوص . حتى اضطر رئيس الوزراء إلى حسم الموقف بأن الحكومة الإنتقالية ليست مفوضة لإتخاذ قرار التطبيع .

ثانياً : دعوة الأجانب لإستثمار الموارد الوطنية على نمط ( البوفيه المفتوح ) يختاروا منه ( عل كيفهم و براحتهم ), دعوة تعبر بعمق عن أننا لا نملك , على الأقل , حتى الآن أية رؤية أو خطط مستقلبية محكمة لإدارة مواردنا و استثمارها . فحتى إمرأة العزيز عندما قالت ليوسف : ( هيت لك ) كانت قد غلقت الأبواب و رتبت جناحها في القصر و أعدته بما يناسب الليلة الرومانسية التي كانت تحلم بها . و كانت السيدة زليخة تملك من السلطة و السؤدد ما يمكنها من إدارة ( المتعة ) المنتظرة وفق ما تهوى و تشتهي . فمن المؤسف حقاً أن ( يكمل فهمنا ) في استثمار مواردنا و إدارة اقتصادنا إلى الدرجة التي تجعلنا ننتظر الفهم من الخارج و ندعو الآخرين دعوات غير مشروطة للاستفادة من أراضينا و انتظار ( فضل الخير ) منهم  .

ثالثاً : حديث الوزيرة عن قلة عدد سكان البلاد و دعوتها للإخوة المصريين ( لإستعمارها ) , حديث لا يقف عند عتبة ( الرقاد في السهلة ) و تخطي ملفات مهمة عالقة بين الدولتين مثل حلايب و شلاتين و سد النهضة فحسب . و إنما يعبر بوضوح عن عمق أزمتنا الوطنية التاريخية و إفلاسنا الإستراتيجي الراسخ . و المؤسف أن هذه الدعوة ليست جديدة . فقد سبقها إليها وزير الخارجية في العهد البائد ( علي كرتي ) و دعا إليها مساعد الرئيس المخلوع ( نافع علي نافع ) . بيد أن قضية الأمن القومي و الرؤية الوطنية الإستراتيجية في تقديري هي من القضايا التي تهم ( الأمة ) بشكل مطلق  يتجاوز الأنظمة و الحكومات . هي من القضايا التي ترعاها و تؤسس لها المؤسسات الوطنية الشعبية .

و نظراً لإفتقارنا للرؤية الوطنية الجامعة , ترانا ننسب الأحداث و المشروعات القومية إلى الحكومات و أحياناً إلى الأشخاص المجردين و ليس إلى الأمة السودانية . فهذا المشروع أسسه عبود و ذاك أنشاه نميري و هكذا . و ذلك ما يجعلنا ننجرف في منابرنا إلى النقاش و الإختلاف حول أشخاص ماتوا و صاروا تحت التراب و أنظمة حكمت و ذهبت منذ سنين طويلة . و في تقديري أن أسوأ ما يدمر الصحة الوطنية هو أن نصير أمة منقسمة الوجدان . أمة ليس لها ما تنسبه إلى نفسها بشكل مباشر وتفخر به بالإجماع و إنما تصر حتى على تقسيم تاريخها إلى ( كيمان ) تلتف كل كتلة حول كومة منه و تناوش الآخرين و تحاول تشتيت كيمانهم .

فمصر , مسرح الحادثة موضوع مقالنا المتواضع هذا ,أقدمت على تأميم قناة السويس بقرار وطني اتخذه الشعب المصري بالإجماع و تبناه الزعيم ( جمال عبد الناصر ) . و في سبيل هذا القرار المدوي تعرضت مصر إلى عدوان عسكري ثلاثي من بريطانيا  و فرنسا و إسرائيل . و انتصرت لإراداتها الوطنية في النهاية . و قرار تأميم القناة كان أيضاً يمثل تحدياً للولايات المتحدة الأمريكية و البنك الدولي لموقفهما السلبي من قيام السد العالي ورفضهما تمويله . و بالتالي كان تشييد السد العالي كذلك ملحمة وطنية كبرى . و مثلت شركة المقاولون العرب الوطنية رأس الرمح في إنشاء السد العالي.

و مصر التي فقدت سيادتها الوطنية و ظل يحكمها الغزاة منذ هزيمة الملكة العاشقة  كليوياترا في معركة اكتيوم البحرية قبل ألفي عام ضد الرومان , استعادت سيادتها فقط في ثورة يوليو 1952 . و لكن خلال هذا التاريخ القصير تمكنت مصر من تحقيق إنجازات وطنية عظيمة مثل تأميم قناة السويس و تحرير سيناء و تشييد السد العالي . و المصريون الذين لم يخوضوا حرباً منذ أكثر من ألفي عام عادوا و أسسوا جيشاً وطنياً خاض ثلاثة حروب استعاد من خلالها شبه جزيرة  سيناء و أعاد ترتيب ميزان القوى الإقليمي .

رابعاً : إن من أهم أهداف ثورة ديسمبر المجيدة , أن يعود الشعب إلى حكم نفسه و تقرير مصيره و إنهاء حالة الفصام التي ظلت قائمة بين الشعب و حكوماته ما عطل مسيرة الوطن و أجج الفتن و قاد إلى التمرد على السلطة في عدة مناطق من البلاد لسنوات طويلة . و البرلمان الوطني يمثل أهم أدوات سلطة الشعب . فالشعب عبر برلمانه يصوغ تطلعاته و رغباته في مشروعات و تشريعات تقع مسؤولية تنفيذها على الحكومة خادمة الشعب  و وكيل أعماله . و يظل البرلمان عيناً تراقب أداء الجهاز التنفيذي و تحاسبه إن هو قصر فيما أوكل إليه من أعمال . أما و هذا لم يحدث و لم يتم تشكيل البرلمان حتى لحظة كتابة هذه السطور , فمن الطبيعي أن ( ينجر ) المسؤولون كلامهم في المنابر طالما أن الكلام ليس بفلوس .

و لذلك فمن المهم جداً أن نعي ( نحن السودانيون ) دورنا الوطني بعيد عن السياسة و الساسة . و أن نتفق على رؤى و مفاهيم و مصالح استراتيجية تخدم دولتنا و أجيالنا القادمة . الإتفاق على خارطة طريق وطنية تعيد تعريف الأمن القومي و تحدد الإطار الوطني العام الذي يجب أن تجتمع بداخله الأمة و تصبح الحكومات مجبرة على السير على هديه مع جواز إختلاف التكتيكات و الوسائل . هذه مسؤوليتنا نحن السودانيون بالتحديد تجاه وطننا .

اترك رد