من كنانتى // النور حمد ( تحطيم الدولة للكسب السياسي )

0
51

 

عانت الدولة السودانية منذ الاستقلال من انعدام الثوابت الوطنية. فكل ضابط للفعل السياسي السوداني بقي رمالاً متحركة. المهم لدى كل القوى السياسية في السودان هو الكسب الآني. ولا يهم إن قاد هذا الكسب إلى هدم ثوابت الدولة وركائزها. شهدت ديموقراطياتنا الثلاث الكثير من الائتلافات. يحدث الائتلاف حين لا تمكن النتائج الانتخابية أي حزب للحكم بمفرده فيضطر لإحراز أغلبية في البرلمان إلى أن يأتلف مع حزب آخر. وقد قاد الحرص على المناصب إلى أن تأتلف أحزاب لا يجمع بينها جامع. بل إن بعض أركان الائتلاف في فترة بعينها يتحولون إلى حالة عداء حادة في فترة جديدة لاحقة، تكون فيها الخريطة السياسية قد أخذت شكلاً آخر. والأمثلة لهذا من تجاربنا البرلمانية “على قفا من يشيل” .  لقد تفننت بعض الأحزاب في إثارة الاضرابات المطلبية، لا تعاطفا مع حقوق العاملين وإنما لإرباك من هم في السلطة وإفقادهم الاستقرار والقدرة على الإنجاز ليكون فشلهم هو مركب المعارضة القادم إلى مقاعد الحكم. لا تتردد قوانا السياسية من إنتهاج أي أسلوب يمكن أن يمنحها كسباً سياسياً آنياً. ولقد ذكرت في مقالات سابقة كيف تفننت الجبهة الوطنية (حزب الأمة والاتحاديون والإسلاميون) في خلق الندرة في فترة حكم نميري. وكيف تفنن الشيوعيون في تحريك نقابة عمال السكة الحديد لزعزعة حكم نميري ما قاد إلى إنشاء ما سميت الكتيبة الاستراتيجية العسكرية التي تدير حركة السكة الحديد في حالات الإضراب. وقد قاد كل ذلك إلى تكسير المرفق نفسه على يد الإسلاميين في نهاية الأمر. وهذه هي نتيجة العبث بثوابت الدولة واستحلال هدم ركائزها.

شاهدت بالأمس فيديو مصوراً من نافذة سيارة تسير على واحد من الطرق السريعة. وقد قطعت تلك السيارة التي جرى منها تصوير ذلك الفيديو قرابة الكيلومترين. وقد كانت تمتد على طول تلك المسافة مئات وربما الآلاف من براميل الوقود إضافة إلى الشاحنات  المتوقفة، ما يدل على أن سوقاً مفتوحاً للمواد البترولية يجري هناك، (على عينك يا تاجر)، على طول ذلك الطريق السريع. إن أول ما يعكسه هذا الشريط هو أن ما تسمى الدولة السودانية لا وجود لها. فنحن نعلم أن هناك شرطة للمرور السريع وهناك محليات وحكم محلي ومسؤولون تنفيذيون فأين هم من هذا الانحلال الدولتي المقرف؟ هل هذه بلاد يرجى لها أن ينصلح حالها؟ والأنكأ من هذا أن المواطنين هم من يصورون هذه العورات ويبثونها على وسائط التواصل الاجتماعي، في حين ينشغل الإعلام الرسمي بالتفاهات وسفاسف الأمور. أيضاً، أين صحافتنا وتقاريرها الاستقصائية من هذا   الانحلال الدولتي المريع؟ أين يقع هذا السوق؟ وتحت إدارة من  تقع هذه المنطقة؟ إن اعتياد قبول مثل هذه الممارسات يعني أن نقرأ الفاتحة على روح الدولة السودانية وحكم القانون فيها.

لا شك عندي أبداً أن هناك تحالفاً غير مكتوب بين قوى مختلفة  من عسكرية ومدنية غرضه إفشال الفترة الانتقالية. ويبدو أن هذا العمل قد حقق حتى الآن نجاحاً كبيراً. فالأزمات بمختلف صورها لا تزال تراوح مكانها. وقد أصبحت ما سميت الحاضنة السياسية وحكومتها مجرد “هنبول”، “لا يهش ولا ينش”. وحين نقول إن أزمتنا أزمة بناء نفسي قويم وأزمة أخلاق وأزمة ثوابت  ، يخرج علينا حفظة الألفاظ الفارغة ليصرفونا إلى ما اعتادوه من نمط الاستعانة بالكلمات الرنانة عن الدلالات. من يريدون إفشال الفترة الانتقالية قد ينجحون في إفشالها لكنهم حتماً سيفشلون في ترميم ما خربوه. ولسوف يشربون من نفس الكأس التي سقوا منها شعبهم. فتخريب النظم قابل للإصلاح، لكن تخريب الإنسان يصعب إصلاحه. ما عكسه ذلك الفيديو يدل على أن تخريب الإنسان في بلادنا قد بلغ شأواً بعيداً.

اترك رد