إلى ذلك // عبد الله علي إبراهيم ( بدر الدين يوسف عامر: رأسمالي طريد مايو والإنقاذ )

0
33

 

الحجة الأتو في هجوم الثورة المضادة على لجنة إزالة التمكين هي أنها مدفوعة بالسياسة لما تقوم به من حجز ومصادرة للأموال. وبالطبع لم يكن للجنة سبباً لتوجد أصلاً لولا السياسة. فهي بنت ثورة سياسية عصفت بنظام الإنقاذ ورتبت في دستورها لإزالة دعائم تمكنه من سياستنا واقتصادنا. فكانت اللجنة وليدة ثورة سياسية: والشيء من معدنه لا يستغرب أو يستنكر.

ولكن السياسة ضروب منها العالي والواطي. فالثورة من عالي السياسة لأنها غيرت منكراً بالسيف بعد أن أعيانا لساناً وقلباً لعقود ثلاثة. وردها المال الذي تمكن به الإنقاذيون منا عبادة في الهرج. ومن السياسة الواطية الانقلاب الذي هو استراق للحكم. وضربتُ أمس مثلاً بمصادرة إنقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ لشركة عثمان صالح لإخراس صوت سيدها المعارض. وهي المثل في التشفي السياسي بتجريد المال لو أراد الإنقاذيون أن يعرفوا كيف تدفع السياسة الواطية ممارسها للتصرف الأخرق في المال. فصادر نميري مالاً حلالاً بلالاً لمأرب سياسي بينما تصادر لجنة التمكين مالاً سحتاً أفرخ في مغارة السلطان.

وأعرض اليوم لحالة أخرى من تعدي السياسة الواطية لانقلاب ٢٥ مايو على المال الحلال. فقد صادر مال محمد أحمد عباس وأغلق محلاته التجارية لوسوسته من أنه يمول الحزب الوطني الاتحادي. ووقفت على بعض دقائق الحادثة من صديقي المرحوم بدر الدين يوسف عامر إبن أخت عباس وشريكه في أعماله. وسيمر الزمن ليقع ظلم الإنقاذ على بدر الدين بعد استعادة أعماله في السوق مما اضطره لرفع يده بالكلية عنها والهجرة إلى كندا.

نبدأ بمصاب عباس وبدر الدين من غل مايو السياسي لنعود إلى مصاب بدر الدين من تمكين الإنقاذ لأربابها في السوق.

قضيت أيام عيد فطر ما في ضيافة صديقي يحيى محمد صالح وأسرته بمدينة لندن الأخرى بكندا. وكنت رتبت أيضاً أن أزور في المدينة صديقاً من أول عهدنا في آداب جامعة الخرطوم عام 1960 هو الاستاذ بدرالدين يوسف عامر. وكنت تعرفت عليه عن طريق المرحوم الشيخ رحمة الله الذي زامله في مدني الثانوية. ولم يبق بدرالدين معنا لأكثر من شهور حيث أغراه خاله المرحوم محمد أحمد عباس، التاجر بسوق أم درمان، أن يهجر المدرج إلى بنكة الدكان لأنه كان يرتب لاقتحام سوق استيراد الأقمشة الذي اقتصر وقتها على النزلاء الأوربيين. والمعلوم أن عباس من ضحايا قرار نميري بمصادرة الأموال في بداية عهده. وحنق عليه نظام مايو لأنه كان يمول الحزب الاتحادي . ومع هجران بدرالدين للجامعة ظل بيننا يدفع ضريبة صداقة طلاب مفلسين يساريين ذوي مطالب كثيرة من ليل الخرطوم الحزين.

استغرقتنا الذكريات بعد فطور رمضان. وحرصت أن أتلقى من بدرالدين نفسه قصة ملابسات مصادرة أعمال الأسرة. وتنبهت في طور من الأنس إلى أنني حولت المسالة إلى مقابلة صحفية. وبلغ بدر الدين في حكيه واقعة مما سميته في مقال قريب ب “علم الدموع السياسي”. فقد بلغنا في ظل حكم الطغم قاعاً من الغلب والهوان على الدولة لا معين لنا معه إلا الدموع نتظاهر بها سلباً ضد الجور.

قال بدر الدين أنه زاره بعد المصادرة للمؤاساة السيدان محمد عثمان عباس أب راس وإبراهيم عبد الله ممن كان هاجرا إلى الخليج من عهد قريب. واقتحم إبن بدر الدين الديوان عليهم خلال تناولهم وجبة الغداء ورأسه ينزف دماً من جرح من صنع أطفال الحي. فقد طاردوا الصبي، وشتموه، وذكروه بحرامية أبيه التي عم خبرها البلد. وأتت في أثر الصبي الجريح أخته الكبرى باكية قائلة لوالدها: “الظاهر إنك حرامي فعلاً. لقد فتشوك وقبضوك وحققوا معك ولم تدافع عن نفسك. وها نحن ندفع الثمن.” وقال بدرالدين إنه التفت إلى إبراهيم وأب راس فوجدهما قد أجهشا بالبكاء معاً وفي وقت واحد. وقالا له بعد تجفيف الدموع سنأخذك معنا إلى الخليج فبقاؤك هنا مستحيل بعد هذا الذي رأيناه. وصدقا وعدهما. وقضى بدرالدين نحو عام وأكثر في أبو ظبي في خدمة الديوان الأميري. وعاد لمزاولة التجارة بعد تعويض نميري المبخوس له.

استغربت لنفسي كيف أسمع هذا الوجع لأول مرة من صديق أريحي بعد ثلث قرن من حدوثه. لم نكن في الجانب السياسي الخاطئ من جهة حقوق بدرالدين. فقد جاهرنا في الحزب الشيوعي بشجب المصادرة. ما أحزنني إنني وزملائي ربما كنا في الجانب الخاطئ من حالة تسميم المصادرة لحياة العائلة. لقد ظاهرنا بدرالدين رأسمالياً وطنياً اعتدت الدولة على حرمة ماله ولم نظاهره والداً إعتدى الراديو المايوي على حرمة جناه. لقد وقفنا عند مبادئ الاقتصاد السياسي وحجب الله عنا علم الدموع السياسي. ولقد فتح الله بهذا العلم على إبراهيم وأب راس وإنهما لمن السعداء.

نسرف في الحديث عن الشفافية هذه الأيام. ولا شفافية بلا ذاكرة. ولا ذاكرة بلا حكايات الوجع القديم هذه ما بقي في الوطن منها وما أغترب. وليس في أدب الصفوة الذكوري سعة لهذا الوجع طالما هيأت لهم اضغاث المقاومة سرعة رد المظالم بعد امتلاك الميثاق الصائب والكلاشنكوف السديد. وهذا تواطؤ على ذاكرة الشعب التي هي مصهر الشفافية. فلم أقرأ مثلاً بعد كتابات موثقة عن تفريط المايويين في عهدة مصادراتهم. فقد قال بدرالدين نفسه إن أمن مايو طلب منه أن يسلم مفاتيح دكان مكتبه و”يبطل الحجة” حين طلب منهم أن يسلمهم محتويات محله بالكشف. ولم تكن إبنة بدر الدين هناك لترى النهب المس(ص)لح هذا.

وبدر الدين مؤمن مصاب. دخل بعد عدوان مايو عليه سوق التأمين فنفع واستنفع حتى جاءت الإنقاذ وأخرجته منه إلى هجرة في كندا.

اترك رد