من كنانتي//النور حمد”الجوع كافر”

0
36

 

لا أخفي أبدًا اعتقادي في أن ما يسمى “اليسار السوداني” كيانٌ معتلٌّ بنيويًا. وأكثر مكوناته اعتلالاً، هي الأحزاب الأيديولوجية التي لم تدرك، حتى الآن، أن مفهوم اليسار قد تغيَّر عقب نهاية الحرب الباردة. قرأت في اليومين الماضيين بيانًا للحزب الشيوعي تحدث فيه عن الإمبريالية والصهيونية العالمية، وكأننا في ستينات القرن الماضي. هذا في حين دخلت كلٌّ من روسيا والصين في ركب الإمبريالية، بطرقٍ جديدة. ما الفرق يا ترى بين هذا الخطاب الذي تضمنه بيان الحزب الشيوعي وبين رؤية الدكتور الراحل، حسن الترابي التي أرادت أن تجعل من السودان مركزًا لنضالٍ كوكبي ضد الحضارة الغربية؟ كيف يا ترى سيقود الحزب الشيوعي السوداني القطر ويرفع من جديد راية الماركسية اللينينية التي سقطت، من السودان الذي لا يجد أهله ما يقيم أوَدَهم من الخبز الحافي، فيكون مركز النضال ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية العالمية؟

أيضًا استمعت إلى تسجيل للقيادي البعثي الأستاذ، محمد ضياء الدين، يعارض فيه مساعي السلام مع إسرائيل بخطابٍ وكأنه صادرٌ من عراق صدام، التي مسحت بها الإمبريالية الأرض في ثلاثة أيام. تجاهل الأستاذ محمد ضياء الدين أن هناك شيئًا اسمه “اتفاقية أوسلو” وأن الفلسطينيين أنفسهم وقعوا اعترافًا بإسرائيل وتعهدوا بالسلام معها، وأصبحوا، يناضلون ضد التغوُّلات الإسرائيلية من داخل هذا الاعتراف، وليس من خارجه. بل ويعمل فلسطينيو المناطق الواقعة تحت إدارة حركة “فتح”، باختيارهم، في جني محصول البرتقال في المزارع الإسرائيلية. كما يقومون يوميًا بغير ذلك من الأعمال داخل الأراضي الإسرائيلية.

هذا المكون اليساروي السوداني المتكلِّس العاجز عن التفكير النقدي وعن اقتلاع قدميه من وحل الأيديولوجيا، لا يزال يفضل العيش في غيابة التاريخ السابق لكامب ديفيد ولأوسلو. يحاول هذا المكون جر ثورتنا لخدمة شعاراته البالية وتوجهاته الصدامية العابرة للأقطار، بعيدًا عن خدمة البلد وقضاياها الآنية الملحة. لقد خرجنا من الابتزاز العاطفي باسم الإسلام لندخل في دوامة جديدة من الابتزاز العاطفي باسم العروبة والنضال ضد الإمبريالية. تمارس هذه العقلية اليساروية نفس النهج النرجسي القديم المتمركز حول الذات الحزبية، الذي أفشل ثورتي أكتوبر وأبريل، ويوشك الآن أن يفشل ثورة ديسمبر، باختلاق المعارك الهامشية التي لا تتعدى مجرد إثبات الوجود. لا يعي هذا المكون اليساروي الذي يهذي في أتون حمى الشعارات البالية أنه يركب مع كارهي الثورة نفس مركبهم، ويخدم نفس أجندتهم. وأرجو أن تلاحظوا التطابق في: “لا أحد مفوض لمناقشة التطبيع”. أفلستم تستندون الآن على تفويضٍ شعبي في كل ما تقومون به؟

السودان في اللحظة الراهنة قطرٌ على حافة الهاوية، إذ لا تستطيع حكومته توفير العملات الحرة اللازمة لجلب دقيق الخبز، والمحروقات التي يتوقف عليها نجاح الموسم الزراعي، وغاز الطبخ، والأدوية المنقذة للحياة، التي يعتمد عليها الملايين من السكان. هذا في حين تتهاوى أسعار عملته تهاويًا مخيفًا أمام العملات الأجنبية ويرتفع معدل التضخم تبعًا لذلك. يا حبذا لو أسندنا أمور الاقتصاد لمنظري اليسار الاقتصاديين، ليرونا حلولهم السحرية الناجعة التي تقوم بمعزل عن الإمبريالية والصهيونية العالمية ومؤسساتها المالية، وبمعزل عن الإعانات الخليجية. فيتوفر الدقيق والمحروقات والدواء وغيرها، في التو والحين. هؤلاء يعملون على إفشال الفترة الانتقالية على نفس النسق الذي تعمل به القوى الكارهة للثورة. فهم لا يدركون أن “الجوع كافر”، في حين يدرك ذلك كارهو الثورة، ولذلك يعملون بجدٍّ لكي يسود الجوع.

اترك رد