إلى وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي

0
26

 

ب/ نبيل حامد حسن بشير

الكل يعلم عن الدمار الذي ألمَّ بكل الجامعات السودانية والتعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات وغيرها  من ناحية الإمكانيات الكوادر والسمعة  طوال الأعوام الثلاثين للنظام المندحر الذي  لا يمكن وصفه، وبالتأكيد ؟إنك قد  عاصرتيه بنفسك  أثناء  تواجدك كأستاذة بجامعة الخرطوم. كما قد تكونين قد قمتِ  بمقارنة الحال بما رأيتيه بنفسك عند زياراتك للجامعات الأخرى بدول الجوار أو  الأقليم أو العالم في المؤتمرات وغيرها من الأنشطة. هنالك تدنٍ مريع في المعامل والورش والمستشفيات الجامعية  والمباني والمكتبات ومكاتب الأساتذة وقاعات الدرس التي لا تليق بالتعليم العالي ولا بالبحث العلمي ولا بالأستاذ الجامعي ولا بالطالب الجامعي في كل الجامعات السودانية دون استثناء. بالكاد كنا كأساتذة تلقينا  تعليمنا العالي بأرقى الجامعات الأميريكية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والبلجيكية، بالكاد نقوم بما يمكن القيام به تحت هذه الظروف المزرية  لتأهيل طلابنا  في كل المراحل والدرجات العلمية، مراعاة  لتضحيات  الآباء والأمهات، ومراعاة  لمستقبلهم الذي سنسأل عنه يوم لا ينفع مال ولا بنون،  ونجري البحوث بإمكانيات تدل على عبقرية الأستاذ والباحث السوداني، أملين أن يكون لهم يوماً دور في قيادة الوطن والارتقاء به ورفعة شأنه. كما قمنا بكتابة الكتب المنهجية والمرجعية ونشرنا الأوراق العلمية الرصينة على نفقتنا الخاصة بأرقى الدوريات العلمية،  وأسسنا الدوريات العلمية للجامعات في كل القطاعات  وارتقينا بمستوياتها ، وأعطينا التعليم العالي والمهنة كل شيء، خاصة زهرة شبابنا وصحتنا، وكما تعلمين أن المقابل المادي لم يكن يكفي حتى لأبسط احتياجات أسرنا.(الأحباط ) كان هو العامل المشترك والكلمة المفتاحية  بين كل الأساتذة والعاملين بالجامعات والهيئات والمراكز البحثية، ولولا وجود كبار الأساتذة  المؤسسين ومن تم استبقاؤهم منا لفر وهرب الجميع منها من السودان ككل، و لأصبحت الجامعات خاوية على عروشها، هذا إن كانت لها عروش بالفعل!!!.

دورنا  كأساتذة  داخل الجامعات والمجتمعات في الإعداد للثورة على النظام المندحر والمشاركة في إسقاطه لا ينكره إلا مكابر، وذلك عبر الإعلام بأنواعه والندوات والمحاضرات والجمعيات  وتجمع المهنيين و ق ح ت. فماذا كانت النتيجة بعد الثورة التي   كنا نأمل أن تأتي بمن يقوم بتصحيح الأوضاع، والانتصار للعلم والتعليم والأستاذ  والطالب والبحث العلمي؟

كانت المفاجأة أن أتيتِ سيادتكم (بأضعف الكوادر)  لتتسلم مقاليد الإدارة بالجامعات (كلها) دون استثناء. وهم بدورهم وزعوا المناصب الإدارية (لأشباههم)  من الكوادر الهزيلة (غير المؤهلة)  لأن تكون  من ضمن  كوادر هيئة التدريس طبقاً لمعايير التعليم العالي الراسخة (الدرجة الأولى/ ممتاز أو الدرجة الثانية القسم الأول/ جيد جداً مع مرتبة الشرف). منهم من هو متخرج  بالدرجة الثانية القسم الثاني/ جيد  ومنهم من  تخرج بالدرجة الثالثة/ مقبول،  ومن ضمن  المجموعة الأخيرة من  أصبح عميداً لإحدى الكليات وقام بالتخلص ممن يحملون درجة الدكتوراة بالكلية واحتفظ بحملة الماجستير حتى  لا ينافسوه في المنصب في ما بعد،  (السؤال هو كيف تم استيعابهم بهيئة التدريس في زمان التمكين لكوادر الجبهة الإسلامية؟؟!! بالتأكيد ليس لكفاءاتهم!! ألا تشمون رائحة نتنة!!!)، ومنهم من تحصل على درجة الدكتوراه قبل الثورة بشهور وأصبح الأن عميداً على كليات  بها أكثر من 20 برفوسيراً.

السؤال المشروع هو: هل يعقل أن ينتمي كل مدراء الجامعات( لتيار  سياسي واحد)؟  أن كان هذا ممكناً ومقبولاً ومنطقياً، فلماذا ثرنا على النظام البائد؟هل هو نوع جديد من (التمكين)؟  هل  قمتِ سيادتكم  بدراسة ملفات هؤلاء قبل التوقيع على تعيينهم؟ هل فرضوا عليك من ق ح ت أو من المجلس السيادي أو من رئيس الوزراء؟ وإن كان الأمر كذلك، كيف  ترضين ذلك على نفسك وعلى المهنة؟؟!!  ألم تتوقعي تبعات ذلك على الآخرين بالجامعات وعلى التعليم العالي ومكانته والمتوقع منه؟ أقول كما قال الآخرون بكل الجامعات دون فرز من أساتذة وكوادر إدارية وطلاب أن اختياراتكم جانبها التوفيق، والحال الآن بكل الجامعات لا يسر عدو ولا حبيب، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت، وكما يقول المثل  (زدنا الطين بلة). فالإحباط داخل الجامعات  أصبح السمة العامة، وعدد كبير من الأساتذة  وجد أنه من الأفضل أن يهاجر داخلياً أو خارجياً ويعمل بالمنظمات والشركات والمؤسسات أو يتفرغ لعمل خاص، ونستطيع أن نقول أنهم قد وجدوا وأدركوا أن التعليم العالي في السودان ما بين السابقين والحاليين واللاحقين من (الاداريين) لا يحقق طموحاتهم العلمية والمادية، ولن يحقق المرجو منه للوطن والمواطن، وقد يكون أحد أسباب فشل الجيل القادم وبالتالي الوطن، ولا يودون أن يكون لهم دور في تلك المأساة.

حسب علمنا أن مدراء الجامعات منحوا 6-12 شهراً للإعداد لانتخابات حرة تنتخب إدارتها إعتباراً من المدير حتى رئيس القسم.  هذا الأمر يتطلب إعداد (قانون للجامعة) وآخر للنقابات. كما أن من مهامهم  العمل على (تحسين البيئة الجامعية) بما يليق بمصطلح جامعة.

النتيجة:  قام به هؤلاء بالتمكين لأنفسهم، وتكوين( بؤر) من المشهود لهم بالضعف الأكاديمي والاجتماعي والمهمشين من ضعاف النفوس وعديمي الخبرة،  تساعدهم على  العودة إلى  مناصبهم عبر الانتخابات (أن كتب لها القيام)، علماً بأنهم (أي المدراء) جميعاً قد تقدموا إليك قبل  أشهر قليلة  وإلى السيد رئيس الوزراء بأن  يستمروا في مواقعهم حتى نهاية الفترة الانتقالية؟؟!!. كما خاطبوا مؤخراً السيد رئيس الوزراء بعدم المساس بسيادتكم كوزيرة والسيد الوكيل في التشكيل الجديد للحكومة!!!

أغلبية الجامعات أو كلها لم  تنتهِ حتى تاريخه ، أي ما يقارب (العامين)، من إعداد القانون، وقانون النقابات، ولم  يقوموا بأي مجهود لتحسين بيئة العمل، ولم يقوموا بأية مجهودات تتعلق بتسلم العاملين بالجامعات لمرتباتهم ومستحقاتهم الأخرى في مواعيدها، كمثال حتى يومنا هذا (23 فبراير)  لم يتسلم  العاملون بالجامعات مرتبات يناير. كما قاموا بالاعتصامات والإضرابات  بسبب ذلك. كيف تقبلين ذلك في حق زملاء المهنة الذين هم زبدة المجتمع وقمته العلمية و من يعتمد عليه الوطن في إعداد الشباب والشابات الذين سيوكل إليهم قريباً النهوض بالوطن. فاقد الشيء لا يعطيه.

الأسوأ من ذلك أن بعض مدراء الجامعات قد قاموا برفع قيمة بدل الإدارة لهم ولمن معهم   ما بين 30 ألف للمدير 25 ألفاً لنائبه وهكذا حتى 5 آلاف لرئيس القسم!!! هل هذا إجراء قانوني؟ كما تم إلغاء دفع إيجارات المنازل للأساتذة  وأخرج البعض من المنازل الجامعية وتلك المؤجرة وعليهم البحث عن منزل أخر مع دعم  ضعيف جداً في قيمة إيجار المنزل الذي سينتقل إليه الأستاذ، علماً بأن إيجارات المنازل بكل المدن تفوق راتب المحاضر والأستاذ المساعد ..إلخ. كل ما جاء أعلاه تسبب في كراهية وغبن من  كل العاملين بالجامعات للإدارات والمطالبة بالتغيير الفوري.

على ماذا  ركز هؤلاء الذين عينوا كمدراء ونواب ووكلاء؟ ركزوا على تسليط الإعلام على أنفسهم، وعلى التآمر على كبار الأساتذة والمستبقين منهم ذوي التخصصات النادرة والسمعة الإقليمية والعالمية والسبب تخوفهم من أن  يقوم هؤلاء  بالعمل على  محاربتهم إن قاموا بترشيح أنفسهم  إن قامت انتخابات حرة بالجامعات.

ثبت للكل أن كل ما قام به هؤلاء سببه  ضعف الخبرة الإدارية والانفراد بالرأي والدكتاتورية والتآمر ، بل التدخل في سلطات مجلس الأساتذة ومجلس الجامعة مما أدى إلى قررات أضرت بعنف بالجامعات وسمعتها، بل أصبحت قراراتهم  موضع تهكم من الصغار قبل الكبار ورفعنا لسيادتكم عبر السيد الوكيل العديد من الخطابات والنشرات  التي  تتعلق بالقرارات التي اتخذها البعض دون دراية أو فهم  إداري وقانوني وتلك التي تنبع  عن أحقاد وتصفية حسابات.

المطلوب:

  • الإسراع بالانتهاء من وضع  قوانين الجامعات وقوانين النقابات (خلال شهر من الآن)
  • إنهاء تكليف الإدارات الحالية (فوراً)، و تعيين إدارات جديدة انتقالية تعمل على  الإشراف على التسيير و إجراء الانتخابات خلال 3 أشهر على أن يقوم التعيين  للانتقال بالتشاور مع العاملين بكل جامعة
  • مراجعة كل ما قام به المدراء الحاليين أكاديمياً وإدارياً ومالياً ومحاسبة المخطئين.
  • التأمين على ضرورة صرف المرتبات  كل شهر في الفترة ما بين  يوم 28 من كل شهر وفي فترة أقصاها  يوم 1 في الشهر الجديد، مع ضرورة تعديل  مرتبات الأساتذة بما يضمن لهم وللتعليم العالي تفرغ الأستاذ للعلم والطلاب والبحث العلمي.
  • العمل على إصحاح البيئة الجامعية بما يليق باسم السودان والتعليم العالي
  • توفير الإمكانيات للمعامل والورش والمستشفيات التعليمية.
  • عودة عمادة الطلاب كما كانت في السابق وإلغاء  صندوق دعم الطلاب وضم إمكانياته للجامعات.
  • توفير فرص للأساتذة الذين حصلوا على درجات علمية عالية محلياً للتدريب بالجامعات الأميريكية والأوروبية بغرض المواكبة والتشبيك مع أقرانهم.
  • الاهتمام باللغة الإنجليزية للطلاب والأسااتذة الذين تتدربوا داخلياً.
  • تشجيع أنشطة الاستثمار بالجامعات في كل المجالات زراعياً وصحياً وهندسياً وصناعياً  وتربوياً وتشجيعها على أن تصبح بيوت خبرة  تعمل في دراسات الجدوى ودراسات الأثر البيئي داخلياً وخارجياً حتى يتوفر لها المصدر المادي لتمويل مشاريع التنمية بها وتخفيف العبء على الميزانية العامة.

هنالك العديد من المقترحات ونتمنى أن تعطوا هذا الأمر الاهتمام الذي يليق به وإلا سيكون  مستقبل التعليم العالي في عهدك  وعهد الحكومة الانتقالية  مظلماً، و التاريخ لا يرحم.  اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد. اللهم نسألك اللطف (أمين)

اترك رد