مصعب الريح رشاش // عن أنسنة المؤسسات و شخصنة القيم

0
9

إن من أخطر التحديات الثقافية التي تشهدها الحالة السودانية , ما يمكن تسميته بشخصنة أو نمذجة القيم . و أعني بذلك أننا لا نتعاطى مع قيم الصدق , الشجاعة , النزاهة , المسؤولية و التضحية مثلاً في هيئتها المجردة . و إنما نميل دائماً إلى تجسيدها و ترميزها في شخصية واقعية أو حتى أسطورية محفورة في الوجدان الشعبي و العقل الجمعي . و من ثم بدلاً من البحث عن القيمة و التوجه إليها رأساً نعمل على شحذها و الرجوع إلى الوراء لاستدعائها من الشخصية التي خزنت فيها القيمة المعنية . و في تقديري أن خطورة هذه الوضعية الثقافية الشاذة يمكن تناولها فيما يلي من نقاط  :

أولاً : شخصنة القيم تأتي نتيجة الكسل عن الفعل الحضاري عندما يعجز المجتمع و مؤسساته التقليدية عن الحراك الجماعي لإحداث التقدم المنشود . و بذلك يلجأ المجتمع إلى طلب الخلاص من شخصية ( خارقة ) أو سيوبر مان ما ,ليحرره من قمقمه و يأخذه إلى حيث يريد . و قد كان هذا ممكن في عصر دولة المجتمعات الزراعية و الرعوية البدائية , دولة ما قبل المؤسسات حيث كان القائد يستخدم قوته البدنية و العقلية الشخصية في حشد الجيش و السير به من انتصار إلى إنتصار جامعاً كنوز و ثروات المجتمعات التي يغزوها ليحقق الثراء لدولته و رعاياه . أما المناخ الحضاري الذي تعيشه الإنسانية اليوم فنظامه معقد بشكل كبير . تنبع قوته من متانة و قوة مؤسسات الدولة و قدرتها على بناء الإقتصاد و توفير خدمات لم تكن مطلوبة من الحاكمين في الحضارت السابقة .

ثانياً : شخصنة القيم و أنسنتها تؤدي إلى ضعف إيمان المجتمع بمؤسساته أو قل إنعدام ذلك الإيمان من الأساس . و الواقع أن المؤسسات صارت أهم و أخطر ضمانات التطور الإجتماعي و التقدم في عالم اليوم . فأمريكا مثلاً لا تستدعي شخصياتها التاريخية البارزة مثل جورج واشنطن أو بنجامين فرنكلين أو إبرهام لنكولن أو فرانكلين روزفلت مثلاً في حاضرها , و لا ترغب في تكرار تلك الشخصيات و لا تتخذها مخزناً للقيم . فالمجتمع يحفظ لاؤلئك الأشخاص مكانتهم و يعترف لهم بأدوارهم العظيمة في بناء الأمة و يخلد أسماءهم في أكبر منجزاته من مطارات و مركبات فضائية و حاملات طائرات و جامعات و نحو ذلك . و لكن في ذات الوقت يؤمن المجتمع هناك بمؤسساته أولاً و يعتبرها هي مخزن القيم و منبع التطور .

و في تقديري أن من ثمرات هذا الوضع أنه لا أحد في العالم الراشد الآن يأكل من إرث أحد و إنجاز فرد آخر على المستوى العام . فليس هناك مواطن يأكل من مائدة والده أو ميراث جده أو كيان سياسي يتغذى على مجد مؤسسه . و هذا يمثل قمة العدالة و المسؤولية و يحقق أهم مطلوبات دولة المواطنة . و من أعظم تجليات ذلك الوضع كذلك , أن الشأن العام و مؤسسات الدولة لا تتأثر بحضور زيد أو ذهاب عبيد .

ثالثاً : ظلت أزمة شخصنة القيم و أنسنة المؤسسات تتمظهر عندنا في ظاهرة الحرب الشخصية اللا أخلاقية التي تنشأ باستمرارعند تناول الشؤون العامة . حرب تتجاوز نقد أداء  المؤسسات و الأداء المهني للأفراد و تقتحم الحياة الشخصية للمعنيين و سلوكهم فيما هو خاص جداً . ألفاظ قبيحة و عبارات في قمة البذاءة و القرف و معارك لا تحتكم إلى قواعد أخلاقية و إنما يصبح الأمر كأي شجار أو تنابز بالألقاب ينشب بين أي شخصين مخمورين في ( أنداية ) . و أشخاص يتقمصون المؤسسات التي يمثلونها و يحشونها حشواً في جيوبهم و يتعاملون معها كأنها جزء أصيل من شخصياتهم المجردة . تمرض المؤسسة إذا مرضوا و تصح إذا ما هم صاروا بخير . و مسؤولون لا يعرفون متى يحق لهم استخدام شخصياتهم الطبيعية بوصفهم مواطنين متساوين مع غيرهم في حقوق المواطنة و واجباتها و متى يتصرفون بوصفهم مسؤولين يمثلون مؤسسات دولة محترمة يحكمها القانون و اللوائح و الدستور .

رابعاً : يعزو بعض علماء الإنثروبيولجي التمركز حول الشخصيات الطبيعية إلى البعد التراتبي الرأسي الذي تعاني منه المجتمعات الإستوائية و مجتمعات حوض البحر الأبيض بشكل عام  . فدي بولينجر و جي هوفستيد يذهبان إلى أن السلطة و الثروة في مثل هذه  المناطق تتركز عند أيدي النخبة و تتوالى الأجيال في المجتمع دون أي تغيير في البنية العقلية . و في تقديري أن تغيير البنية العقلية من أهم ركائز التغيير الحضاري . أما البلدان الأكثر تطوراً  فتتبنى نظاماً سياسياً لا مركزياً و تضع قرارها بيد الأنظمة النيابية و البرلمانات ما يوفر بيئة مناسبة لتوزيع السلطة و الثروة بشكل عادل . و تتجلى خطورة النظام التراتبي الرأسي في أن الرعايا عندما يعتبرون أن سادة المجتمع أو نخبته مختلفين أو مميزين فان ذلك يجمع السلطة و السلطة و القوة عند تلك النخبة بالضرورة . و لكن عندما تسوء الأحوال و لا تتقدم الأوضاع العامة إلى الأمام , يصبح الإنقلاب العنيف على السلطة هو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام العامة لإحداث التغيير لأن القوة و السلطة صارتا أكبر و أمضى من القانون .

خامساً : إن أهم مميزات المناخ ذي التراتبية الأفقية هو أن الرعايا يعتقدون أن السادة أو أصحاب المكانة الأسمى بشر مثلهم تماماً . و بحسب تقديري إن هذا المناخ يصلح لتطبيق قيم و مبادئ الشفافية , القانون و المساواة . و ذلك ما جعل محاكمة الرئيس ( ريتشارد نيكسون ) و تنحتيه عن الحكم ممكنة في فضيحة ووتر قيت التي لا تهز شعرة في رأس أقل موظفي الدولة سلطة عندنا و لا تعتبر فضيحة من الأساس . و هذا ما هز عرش ( بيل كلنتون ) و أدخل ( يهود أولمرت ) السجن في عشرين ألف دولار فقط لا غير . فالمهم في الموضوع تقديس النظام المؤسسي و ليس الأشخاص . و النظام المؤسسي مقدس و مستقيم و محترم بشكل مطلق لأنه عادل و يحكمه القانون و تتجسد فيه كل القيم الخيرة . فالدولة لا تغامر بعظمتها و جبروتها و تحبس قيمها في إنسان وصفه الله تعالى بالظلوم و الجهول و الخطاء و هو في الآخر سيفنى و يموت, و إنما تحشد قيمها في مؤسساتها.

سادساً : عوداً إلى موضوع القيم و مخزنها ففي كتاب قيم بعنوان ( الثقافات و قيم التقدم ) الذي جمع مادته ( لورنس هاريزون ) و المفكر الشهير ( صمويل هنتجتون ) , يرى ( ماريانو جريندونا ) أن هناك ثلاثة مبادئ أساسية للأخلاق . أولها المبدأ الأسمى المنكر للذات و تجسده أخلاق القديسين و الشهداء . و المبدأ الأدنى إجرامي تلخصه أخلاق الطمع في حقوق الآخرين و في القانون . و بينهما المبدأ الوسط التي أطلق عليه

ريمون أرون الأنانية المعتدلة . حيث لا يكون الفرد قديساً و لا مجرماً في سلوكه و إنما يبحث الفرد عن رفاهيته بشكل عقلاني في حدود المسؤولية الأخلاقية و القانون .

و تكمن مصيبتنا أننا نضع مثلنا الأعلى سيدنا ( عمر بن الخطاب ) مثلاً للزهد و العدل و الإستقامة . و تجربة ( عمر ) مستحيلة الاسترجاع طبعاً بدليل أنها لم تتكرر خلال أربعة عشر قرناً مرت على عصره . و ذلك لأن ما كان عليه سيدنا عمر يمثل موهبة شخصية و هبة ربانية خاصة و لم يأتِ ذلك في سياق مؤسسي أو منظومة سياسية و اجتماعية متكاملة بدليل أن سيدنا عمر نفسه قتل و قتل الخليفة الذي تلاه و الذي تلاه . نتطلع إلى قائد فذ في إستقامة و زهد و عدل الفاروق بينما ندين نحن بأخلاق الفئة الدنيا . طمع في القانون و المال العام لا حدود له . لا نجد فرصة في القانون إلا و ننتهزها. ننشد تقدماً و وضعاً مثالياً و نحن نهرب من الضرائب و نتحايل على الجمارك و كل الرسوم و اللوائح و نجعل من رجل المرور عدونا اللدود فقط لأنه يطلب منا الإلتزام بالنظام و القانون .

اترك رد