بدل دواء.. أحسن حذاء!!

0
648

أكثر من مليون من جلود الأضاحي ضاعت هباء منثوراً خلال الأسبوع الحالي بعد ما ألقيت في الشوارع لتضيف لمآسي البيئة مأساة مفجعة.. والعذر الأقبح من الذنب هو توقف المدابغ لعدم توفر “الملح”!!

قبل حوالى سنتين حضرنا جلسة لمجلس الوزراء السوداني، كان رئيس الوزراء حينها الأستاذ معتز موسى، وعنوان الاجتماع (توطين صناعة الدواء بالسودان).. وشارك فيها رجال أعمال من  نجوم صناعة الدواء، بجانب مدير الجمارك و محافظ بنك السودان.

كانت الفكرة أن البلاد تعاني أزمة دواء والحل في تصنيعه! هكذا بمثل هذه البساطة والعفوية.. وكان المطلوب 400 مليون دولار لدعم صناعة الدواء.. عندما جاءتني الفرصة للحديث، قلت لهم؛ بدل دواء أحسن حذاء!

مكونات صناعة الدواء بنسبة تفوق 95% واردة من الخارج بما فيها التغليف نفسه، فوزيرة الصحة دكتورة سعاد الكارب في الاجتماع قالت حتى “فتيل الدواء” مستورد!! بينما مكونات صناعة “الحذاء” كلها تقريبا محلية، ومن أفضل الخامات المرغوبة عالمياً..

ثم أن خطوط إنتاج الدواء مهما كثرت لن تغطي كل الأصناف الهائلة المطلوبة في مختلف التخصصات. بينما الحذاء واحد.. لا يختلف إلا في التصميم..

صناعة الدواء توفر فرص عمل محدودة بالمصانع، بينما صناعة الحذاء يمتد خط إنتاجها “من المَرعى إلى المَرسى” .. من الرعاة في أقاصي السودان إلى المهندسين في المصانع إلى خطوط الصادر  كلهم حملة أسهم عائدها.

والدواء محدود الطلب يستخدم عند المرض أو الحاجة فقط، بينما الحذاء يستخدم يومياً وعلى مدار الساعة فالحاجة والطلب عليه مستمر!

ثم أن مشكلة الدواء ليست في تصنيعه بل في العملة الصعبة لاستيراده جاهزاً أو مواده الخام، أما الحذاء فهو مصدر للعملة الأجنبية التي تمنحنا ميزة استيراد الدواء من أفضل المصانع بأقل من تكلفة صناعته في السودان، لأن دولاً كثيرة  مثل الهند تنتج الدواء بكميات ضخمة مما يخفض تكلفة الصناعة.

ولحسن الحظ  لدينا تجربة فريدة في صناعة الحذاء منذ عقود طويلة، لا يزال الناس يذكرون شركة “باتا” الشهيرة التي كانت تصنع غالبية ما ينتعله السودانيون على مختلف قدراتهم الشرائية، من “الشِدّة”، و “الشبط” إلى “الكبك”، ويمكن لقرائي الشباب استفسار الأجيال السابقة عن هذه الأنواع من أحذيتنا العتيدة.

لماذا لا نؤسس تخصصاً في إحدى جامعاتنا لصناعة الحذاء، ليتخرج منه أفضل المهندسين والمصممين والفنيين المهرة؟ ولماذا لا نشيد مدينة صناعية متكاملة لمصانع الحذاء في مدينة “نيالا” مثلاً قريباً من مصادر الثروة الحيوانية.. ويمكن أن تشتمل دائرة الإنتاج على أفضل وأحدث المسالخ، فنصدر اللحوم الطازجة والمصّنعة ثم نصنع الحذاء من جلودها..

الحكومة ليس مطلوباً منها غير الدعوات الصالحات بمنح الاستثمار ميزات تفضيلية، مثلاً منح الأراضي مجاناً لتشييد المصانع أو المسالخ فقط لا أكثر.

هل يحتاج تحقيق ذلك إلى بطل؟

اترك رد