مستشفى التجاني الماحي.. الصحة النفسية تحتضر !!

0
273

أوضاع صحية متردية وبيئة طاردة

الحلقة الثانية

مسشفى التجاني الماحي للأمراض النفسية والعصبية يعود تاريخ إنشائها إلى ثلاثينيات القرن الماضى، سُميَّت باسم البروفيسور التجاني الماحي، المتخصص في الأمراض النفسية والعصبية تيمُّناً به وتقديراً لخدماته الجليلة في هذا المجال، فضلاً عن أنه أحد مؤسسي هذا المشفى الأشهر في الخصوص منذ إنشائه وحتى اليوم، إذ يؤمه عدد كبير من المرضى النفسيين والذين يأتون إليه من كل ولايات السودان بحثاً عن العلاج حيث كان يمثل الملاذ الآمن لهم طوال تلك السنوات الطوال من سني عمله بفضل نطاسين عظماء أثروا مجال الطب النفسي بعلمهم وتفانيهم في علاج المرضى النفسانيين طوال تلك الحقب الماضية، بيد أن الأمر اختلف الآن حيث يمر المشفى الآن بأسوأ حالاته وصار أشبه بالسجن للمرضى الذين لاذوا به لإيجاد العلاج الناجع، إلا أن حالهم وحال المشفى الراهن صار يتمثل فيه قول (كالمستجير من الرمضاء بالنار)، حيث يفتقر إلى أبسط مقومات العمل الطبي السليم، بجانب أنها أكل الدهر منها وشرب، وأن البيئة صارت طاردة وغير ملائمة لعلاج المرضى النفسانيين الأسطر التاليات تبين حقيقة ما يدور داخل مستشفى التجاني الماحي.

 

تحقيق: ضفاف محمود

 

أثناء وجودي باستقبال المشفى قابلت سيدة أعياها البحث عن علاج التقريتول لوالدتها المريضة، وقالت إنها ذهبت لجميع الصيدليات حتى الإمدادت وشوامخ إلا أنها لم تجده، وجاءت تختتم رحلتها بصيدلية بن جلجل المقابلة للمستشفى وطلبت مني البحث لها عن إحدى العاملات بالمشفى وبالفعل شرعت فى البحث عن تلك الممرضة, أخبرتنى إحدى العاملات أنه تم نقلها إلى مشفًى آخر ومن ثم واصلنا سيرنا داخل مستشفى التجاني الماحي، ومن ثم دلفنا إلى عنبر الرجال حيث وجدنا شابًا ثلاثينيًا بجانبه رجل كبير في السن يبدو أنه والده، بادرتهم بالتحية في ذات اللحظة لحظت أن المريض مكتئب ولم يرد علينا ورد علينا مرافقه، سألته عن ما يعانيه قال لي نحن جئنا للمستشفى أمس، ومن ثم علمت أن اكتئاب ذلك الرجل ناتج عن أنه هو الذي يرافق ابنه البكر، الأمر الذي سبب له هذا الاكتئاب.

 

بيئة طاردة

 

العنبر الذي دخلناه وجدناه فارغاً من المرضى الذين كانوا برفقة مرافقيهم بالخارج، وجدنا الفوضى تضرب أطنابها به، الملاءات مبعثرة وأكياس بها ملابس موضوعة على النافذة، طلبت من زميلي ود الشريف, التقاط صورة لصينية موضوعة على النافذة بها فول ورغيفة وحبيبات من السلطة الخضراء، وهي وجبة لا تكفي لطفل صغير وصينية أخرى فارغة من الطعام موضوعة على الأرض.

 

وحال المشفى ككل يغني عن السؤال بيئة طاردة للغاية، مبانٍ قديمة سياج به حشائش جافة وأنقاض وغيرها من المخلفات الكثيرة، طبيعة المستشفى لا تتواءم البتَّة مع مرضى نفسيين، بل تزيد حالتهم سوءاً على سوء في ظل وجود هذه البيئة الكئيبة والحزينة والأشجار التي شاهدناها داخل السور عبارة عن مجموعة متشابكة ومنظرها يوحي بأنك داخل غابة لا غفير لها.

 

مصدر موثوق

 

مصدر من داخل المستشفى – فضَّل حجب اسمه – كشف لنا عن الكثير المثير مما يدور هنا، قال أنه قد تمت خلال الفترة الماضية استقالة ثلاثة من الاستشاريين، وتم كذلك هدم عنبر الإدمان وكذلك عنبرين آخرين وهدم المكتبة التي قال المصدر أنها تعتبر مَعْلمًا تاريخيًا داخل المستشفى، بجانب هدم مكاتب الخبراء وبدلًا عنها تم بناء جدار وحوائط غريبة وتحوَّل المشفى إلى سجن والمرضى إلى معتقلين.

 

من خلال جولتي التي استمرت لمدة شهر داخل مشفى التجاني للأمراض النفسية والعصبية رأيت مشاهد صادمة وأوضاعًا بالغة الأسى يعيشها المرضى وذلك من خلال بحثي داخل العنابر التي تكاد تشبه السجن حيث لم أر ممرضًا داخلها أثناء وجودي، هذه البيئة المتردية للغاية لا نشك لحظة في أنها ستتسبب في المزيد من الاكتئاب للمرضى بالرغم من مساحة المشفى الشاسعة التي تقدَّر بآلاف الأمتار إلا أنها لا تجد الاهتمام اللائق بمشفًى أهم وظائفه تتمثل في إعادة مرضاه إلى وضعهم الطبيعي وشفائهم مما يعانونه من مرض يعتبر هو الأخطر على بني البشر.

 

كوشة داخل المشفى

 

أنا وزميلي المصوِّر عبد الله ود الشريف، قمنا بجولة واسعة داخل المستشفى حيث لفت نظرنا وجود “كوشة” تقبع في منتصفه تماماً، هنا لاحظت وجود رجلين يجوسان بحثاً داخل تلك الكوشة والتي يبدو أنها كانت مبنًى تم هدمه ونبَّهت زميلى ألا يلتقط صورًا في وجود هذين الرجلين، واصلنا سيرنا وشاهدنا مبنًى يتوارى بباب خشبي قديم لم يتبقَّ منه سوى نصفه، هنا ألقى زميلي ود الشريف، سؤالًأ في محله تماماً فقال: هل يعقل أن تكون هذه المستشفى تعالج الأمراض النفسية؟ كيف يتعالج هؤلاء المرضى في هذا المكان الذي يفتقر لأدنى متطلبات العلاج والتي تتمثل في النظافة وتوافر الأدوية والوجبات الدسمة التي تتواءم مع هؤلاء المرضى؟

 

تراجيديا المشهد

 

وأنت في مدخل مستشفى التجاني الماحي تجد كتابات على الجدران باللون الأسود ولك أن تتخيل المشهد الذي يحمل في طياته الكثير والمثير من التساؤلات هل ما كُتِب هنا خطَّهُ يراع مرضى أم غيرهم؟ ولفتت انتباهي عدة عبارات كتبت على الجدران مثل: (القهر يُولُد العنف) و(الإبداع يُولِّد المعاناة) ويقيني أن عبارة القهر تلك تحمل الكثير من التساؤلات التي لم أجد لها تفسيراً حتى لحظة كتابة هذا التحقيق، وعلى جدار عنبر الرجال من الخلف كتب آخر (لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى) وغيرها من العبارات التي توحي إليك أن هذا المكان ليس به مرضى نفسانيين، بل أصحاء وعقلاء لا يعانون البتة من أي مرض.

 

داخل الغابة

 

المستشفى مساحته شاسعة مترامية الأطراف، يحوي داخله حشائش وأشجارًا عشوائية دون وجود أدنى اهتمام بها من قبل المشرفين على المستشفى، حيث لم أر من خلفها سوى ظلها وهي أشبه بالغابة التي فقط تفتقد لوجود الأسود والنمور، حيث تنمو الحشائش بكثرة بجانب وجود شيء ملفت للنظر يتمثل في وجود أنقاض وحفر حتى خلت أن المشفى ليس به عمال نظافة.

 

ومن خلال تفقدنا لدورات المياه بالداخل لحظنا أنها متسخة للغاية وقديمة أكل الدهر عليها وشرب، وبالرغم من قِدَم المشفى ومبانيه العتيقة إلا أن نسب الدخول والخروج متفاوتة بصورة شبه يومية.

 

قابلنا رجلًا في معيته شاب عشريني مقيَّد بسلاسل حديدية يسير ببطء وعندما استفسرت عن أمره من مرافقه قال لي: إن حالته حرجة لذلك تم تقييده بالسلاسل.

 

المطبخ وما بداخله

 

سألت عن المطبخ أشار لي أحدهم بالذهاب خلف العنابر هناك وجدت المطبخ، وجدت امرأة في مطلع أربعينيات عمرها تغسل في شيء لم أتبيَّنه بالتحديد، وفي إحدى أركان ذات المطبخ وجدت رجلًا يبعثر داخل حقيبة بها ملابس، سلمت على السيدة ولكنها لم تكترث لتحيتي، ومن ثم سألتها عن إحدى العاملات، ردت عليَّ بالقول: “ما معانا هنا، وقلت لها ممازحة: ما عايزين طباخين؟ أنا كايسة شغل”  ضحكت تلك السيدة بخبث، قلت لها بالدارجي: “بتطبخو شنو هنا؟” مستصحبة مع سؤالي هذا ما قالته لي إحدى العاملات بالمشفى من قبل بأنهم يقدمون الدجاج والسمك واللحمة والفواكه للمرضى في وجباتهم اليومية, قالت لي:” بنطبخ ملاحات عادية وبنقطِّع سلطة خضراء”, وشممت رائحة الطبيخ ولم أشم به أي رائحة دجاج أو سمك أو فواكه، كما ادَّعت تلك الموظفة من قبل.

 

غادرت المكان وفي نفسي حسرة وألم لا يوصفان على حال هؤلاء المرضى الذين يبحث ذويهم عن العلاجات التي تأكد لي بما لا يدع مجالاً للشك أنها لم ولن تتوفر هنا، وإنما تتزداد معانتهم في الحصول عليها إن لم يتفاقم حجم الأمراض التي يعانون منها جراء تلك البيئة الطاردة وغير الملائمة البتة لعلاج مرضى نفسيين.

 

مرافق مريض

 

قبل خروجي من المستشفى قابلت أحد المرافقين بالقرب من الكافتريا يحمل في يده كوب عصير وساندوتش، هنا تحيَّنت الفرصة لاستنطاقه بالرغم من أنه كان في عجالة من أمره، قلت له:” الفطور دا جايبو من برَّه ليه المستشفى ما فيها أكل؟” هنا ضحك الرجل وقال لي: ” يابت الشيخ الناس دي بتستعمل علاجات قوية وعايزة أكِل كتير ودسم هنا بِيدُّوا الواحد عيشة واحدة وفول وحبة سلطة أو عدس ودي ما بتعمل لزول عيان أي شيء، عشان كدا بنعتمد على الكافتيريا أكتر شيء ولو ما عندك قروش تكون دي مصيبة” وزاد محدثي” الأدهى والأمَر من ذلك جزء كبير من العلاجات النفسية المطلوبة لهؤلاء المرضى غير موجودة في معظم الصيدليات داخل المستشفى وخارجه” وقال:” كنت أبحث عن علاج لمرافقي وذهبت لعدد من الصيدليات الكبيرة إلا أنني لم أجده إلا بعد صعوبة ومعاناة.

 

من داخل مكاتب التسجيل

 

ذهبت إلى عيادة الطوارئ التي وجدت داخلها عددًا كبيرًا من المرضى ومنها إلى مكاتب التسجيل التي علمت من خلال زيارتي لها أن قيمة تدريب الباحثين الاجتماعيين داخل المستشفى تبلغ (420) جنيهاً، للباحث، فقط مرتان في الأسبوع، ولأول مرة أعرف أن المتدرِّبين في هذا المجال وداخل المستشفيات الحكومية يدفعون رسوماً للتدريب بمستشفى التجاني الماحي الذي وجدت أن كل شيء داخله لا يسُر، بدءًا من المباني التي أكل عليها الدهر وشرب ولم تجد الصيانة المطلوبة منذ أمدٍ بعيد، فضلاً عن الحال الطبي المائل داخل المستشفى نفسه وعدم توفر العلاجات اللازمة للكثير من المرضى، بجانب المعاملة الفظة التي يُعامل بها المرضى ومرافقوهم، زد عليها التعنُّت البائن من قِبل الإدارة التي أعطتني إجابات المرافقين إشارات واضحة بعدم استعدادها لمقابلة أي شخص يبحث عن الحقيقة الضائعة داخل هذا المستشفى العريق والذي أكدت زيارتي له بأن جرس الإنذار قد دُقَّ للجهات الصحية المسؤولة في الدولة.

 

من المحررة

 

تلك كانت مشاهداتي وملاحظاتي وما وجدته داخل مستشفى التجاني الماحي للأمراض النفسية، المستشفى الذي يعتبر الأكبر لعلاج هؤلاء المرضى داخل السودان إلا أنه يفتقر حقيقة لأبسط المقومات المطلوبة في هذا المجال، الأمر الذي يتطلب التحرُّك العاجل من قبل الجهات المختصة في الوزارة الاتحادية والولائية معاً لمراجعة طبيعة العمل هناك ومعالجة الخلل البائن داخل المستشفى وإنقاذ هؤلاء المرضى قبل استفحال الأمر وخروجه من السيطرة.

 

اترك رد