سوار الدهب وفعل الخير

0
0

رحم الله المشير عبد الرحمن سوار الدهب لما قدّمه للسودان وتلك السُّمعة العالية للجيش السوداني بوفائه للعهد الذي قطعه بتسليمه للسلطة في الموعد الذي قطعه.

كان آخر أعمال المشير سوار الدهب هو تأسيسه مع شقيقي الأستاذ كمال عروة (مصرف الخير للتوازن الاجتماعي).. ولا أنسى الدور الكبير للمرحوم محمد أحمد النو وآخرين في تأسيس ذلك البنك الذي قام بتصديقه مشكوراً د. صابر محمد حسن ثم جدَّد تصديقه المحافظ د. محمد خير الزبير حتى يؤدي المصرف دوره وبُعده الاجتماعي في إعانة الفقراء والمساكين.. لعل ذلك استجابة لقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).. كان المرحوم سوار الدهب في آخر أيامه – ويبدو أنه كان يشعر بدنو أجله مثل الرجال الصالحين – يتمنّى أن يرى قيام هذا المصرف قبل وفاته وكان دائم الاستعجال والسؤال عن تطوراته.

تقوم طبيعة هذا المصرف على مفهوم البُعد الاجتماعي للبنوك التجارية والاستثمارية، حيث يرتكز على نوعين من المساهمة فيه الأسهم وقفية ولا تقل عن 51% من رأس المال تخصص أرباحها لتمويل الفقراء الراغبين فى النجاح وتحسين أحوالهم وَمن ثَمّ تكون لهم قُدرات مالية ليصيروا من الأغنياء وينفقون بدورهم زكاة وصدقات.. أما باقي المساهمة في رأس المال فأسهم استثمارية تعود أرباحها لأصحابها مثل ما يحدث عادةً في البنوك التجارية والاستثمارية.

علمت أنّ بنك التنمية الإسلامي بجدة أبدى إعجاباً بالفكرة ورحّب بها، بل أرسل وفداً قابل المشير سوار الدهب ووعد بدعم تجربة المصرف، كما رحّب به كثيرون لعبقرية الفكرة وبُعدها الإنساني والأخلاقي لمساهمة المصرف في مُحاربة الفقر والعَطَالة من ناحية ودعم الاقتصاد الوطني من ناحيةٍ أخرى..

كنت قد كتبت كثيراً عن مفهوم الاقتصاد الإسلامي، وأرى أن هذا المصرف تجربة مصرفية إسلامية مُبتكرة يُساهم في دفع فكرة الاقتصاد الإسلامي منحازاً أكثر للفقراء، إذ يقوم على أساس منهج (الإنفاق الشامل)، حيث وردت آيات الإنفاق – وليلاحظ ذلك كل قاريء للقرءان الكريم – تتحدّث عن أنواع عديدة من طُرق الإنفاق ليس فقط إنفاق الزكاة والصدقات، بل في معرض مُحاربة الكنز والاحتكار والإنفاق الإنتاجي والادخاري والاستثماري وحتى الاستهلاكي باعتبار أنّ الاستهلاك له بُعدٌ إنتاجيٌّ أيضاً ذلك لأنه بكل أشكاله الذي يُلبي جميع حاجيات الإنسان الأساسية والضرورية وحتى الكمالية فتشجع البشر ليقدم كل منهم ما هو متخصص ومبدع فيه، ذلك أن التنوع البشري حكمة إلهية، فالناس ليسوا كلهم منتجين مواداً للأكل والشرب والخدمات فقط، بل هناك المبدعون في كَافّة مجالات الحياة الفنية والرياضية والعلمية والقانونية …إلخ، فهم منتجون أيضاً بإبداعاتهم المختلفة،  فالإنسان ليس فقط حيواناً يأكل ويشرب فقط، بل الإبداع هو الذي يرفع عن الإنسان ضغوط العمل اليومي فتتجدد حياته الروحية والمعنوية وينطلق للإنتاج المادي.

إنّ منهج (الإنفاق الشامل) في القرءان الكريم هو الذي يحل الخلاف القديم بين: لمن الأولوية هل للرأسمالية في النمو والكفاء الاقتصادية، أم للاشتراكية في العدالة الاجتماعية.Growth vs equity.. إنّ الحث على الإنفاق الشامل هو الذي يربطهما معاً فتتحقّق الكفاءة والعدالة معاً.

اترك رد