إلاَّ الميناء

0
1

عادة لدى كل دولة سياسة ثابتة وصارمة تجاه ممتلكات وأراضي الدولة العامة التي تعتبر ملكاً للشعب تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل مهما اختلفت الحكومات، وأعتقد هذا ما ظلت تلتزم به كل الحكومات في السودان عدا الإنقاذ، هي الوحيدة التي  استباحت أملاك الشعب وباعت منها الكثير بما لا يساوي عشر قيمتها الحقيقية لتستطيع الصرف على نفسها، فهي لم تدرْ موارد الدولة بكفاءة لتحافظ على هذه الممتلكات الغالية .

لا تمر فترة إلا وملأت الأخبار الدنيا بأنَّ الحكومة السودانية باعت أو أنها بصدد بيع مؤسسة أو قطعة أرض أو ميدان أو مبنى أو غيرها لجهة ما، وكلكم  تعلمون ما الذي فقدناه من أملاك داخل وخارج السودان بسبب حملة الحكومة للتخلص من ممتلكات الشعب، وكم تحدث المواطنون وناضلوا وطالبوا وسكبت الصحف الكثير من المداد لإقناع الحكومة بعدم التعرض لأملاك الشعب، ولكن لا حياة لمن تنادي. ويبدو أنَّ الحكومة مصرة على بيع كل هذه الأملاك مستغلة وجودها في السلطة  .

منذ أيام قليلة توالت ردود الأفعال والكتابات الساخطة على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب ما قيل إنه بيع يتم لجزء من ميناء بورتسودان، وكذلك انتشرت فيديوهات تثبت ردود أفعال عمال الميناء وغضبهم، وهذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها مثل هذا الكلام ويفجر مثل هذا الغضب، فقد تكرر كثيراً جداً في مؤسسات أخرى.

وسبق وأن دار حديث من قبل عن عزم الحكومة  على بيع هذا الميناء نفسه، ولكن المدهش دائماً ما يقال إن عملية البيع  تحاول الحكوم  إتمامها  في الخفاء وسراً  لتضع الشعب أمام الأمر الواقع مثلما فعلت مع ممتلكات أخرى، الأغرب من كل ذلك  حتى البرلمان (الجابو) ممثلاً للمواطنين لم يسمع بالعملية إلا من تحركات المواطنين .

وبغض النظر عن كل الممتلكات التي باعتها الحكومة سراً وأقامت الدنيا ولم تقعدها حتى الآن وكل سوداني (موجوع عليها)، إلا أنه لا يمكن غض النظر عن هذه الصفقة بالذات، فهذا ميناء السودان الأول ومتنفسه البحري الوحيد الذي لا يملك غيره، هذا الميناء هو السر والسلاح الذي يتقوى به السودان، ولا أعتقد أنه يمكن بيعه بأيِّ مبلغ أو حتى استئجاره، والأمر خطر على سلامة السودان وأمن مجتمعه.

بالأمس تقدم عضو واحد فقط من البرلمان بطلب لاستدعاء وزير النقل حاتم السر، ومساءلته بشأن بيع أو استئجار الميناء الجنوبي، حيث رفض العاملون تسليم الميناء للشركة التي اشترته مما جعلها تدخله ليلاً قبل يومين ومزاولة نشاطها في ظل رفض العمال، واستفسر عن قيمة الصفقة وكيف سددت ولماذا لم تكن عملية البيع معلنة، وهل تم إتباع الطرق القانونية في البيع. ولكن السؤال الأهم لماذا فكرت الحكومة في هذا الأمر الجلل وكيف سمح لها ضميرها بأن تتحدث بإمكانية بيع ميناء الدولة الوحيد؟ هذا الأمر إن صح  يدينها أيما إدانة .

حقيقة الحكومة تعاني من حالة غريبة تجعلها ناقمة على ممتلكات السودان القومية وتسعى سعياً حثيثاً للتخلص منها سراً، لا أدري لماذا ولكنها تثبت فعلاً أنها غير مدركة لقيمتها الحقيقية بل أنها لا تقدر بثمن، ولا بد من المتابعة اللصيقة للحكومة من أهل بورتسودان (كلو إلا الميناء) فهو عيون السودان  وليس ثغرها الباسم فق .

اترك رد