رقمنة الديموقراطية E-Democracy

0
0

كتبتُ هنا كثيراً قلتُ إنني أمقت تقديس المصطلحات.. أي الإذعان لمدلولاتها دون تفحصها ومراجعة (تاريخ الصلاحية).. لأنَّ العالم يتطور مع الزمن وتتغير المعارف وتنهضُ معانٍ جديدة لمصطلحات قديمة..

كلمة (ديموقراطية) واحدة  من المصطلحات التي يخطأ الكثيرون في فهمها.. فهي ليست وصفة دقيقة المعالم أو تركيبة ذات خواص وعناصر محددة.. بل وتتغير مدلولاتها مع الزمن..

الديموقراطية هي المسافة الزمنية الفاصلة بين النظام الحاكم والمحكوم.. (والتعريف من عندي).. ولتبسيطه أضع أمامك أمثلة سهلة..

لنبدأ بأصغر وحدة اتصال بين حاكم ومحكوم.. اللجنة الشعبية في الحي مثلاً.. بالمفهوم القديم فإنَّ الديموقراطية تعني الطريقة التي يُنتخبُ بها أعضاء اللجنة، وربما يتمدد قليلاً إلى استيعاب نشاط اللجنة لما يطلبه أهل الحي.. هذا هو المفهوم التقليدي للديموقراطية..

لكن بمقاييس عصرنا اليوم مثل هذا المفهوم لا يستوعب المتغيرات التي قفزت إلى حياتنا العامة..

وأهم متغير في عالم اليوم هو تكنولوجيا الاتصالات والتواصل.. فلم يعد الذي يتولى قيادة العمل العام في المسافة ذاتها التي كانت تفصله عن فضاء المستفيدين من قيادته.. فإذا استخدمنا –مثلاً- أفضل تكنولوجيا العصر في نظم الانتخابات بديلاً للاقتراع ببطاقات مكتوبة يدوياً، فإنَّ ذلك لا يحقق معنى (الديموقراطية) طالما ظلت سبل اتصال أو تفاعل من يتولى قيادة العمل العام مع قاعدته بالوسائل القديمة ذاتها..  فالأجدر أن تتمدد الديموقراطية إلى الوسيط الفاصل بين شركاء العمل (المفيد والمستفيد)..

على هذا الفهم تنشأ (الديموقراطية الإلكترونية E-Democracy) أي رقمنة الديموقراطية.. ليس فقط في عملية الاقتراع والانتخابات فحسب، بل وفي مفهوم التواصل مع المستفيدين من شركاء العمل العام (الجمهور أو الشعب)..

وقبل أن أضع بين يديك مزيداً من التوضيح، الأجدر أن نهتم بالنظر إلى أدوات قياس الديموقراطية الإلكترونية .. المقاييس التي تحدد المسافة الفاصلة بين الشركاء (الطرف الحاكم والطرف المحكوم)..

المقياس الأول: السرعة؛ وهي المسافة الزمنية الفاصلة بين طلب الخدمة والاستجابة لها.. وعوداً لمثال اللجنة الشعبية، هي المسافة الزمنية التي تستغرقها اللجنة الشعبية في الاستجابة أو تنفيذ الخدمة التي يطلبها سكان الحي..

مثلاً، إذا طلب سكان الحي توفير إضاءة في طرقات الحي الداخلية، فإنَّ مجرد استلام اللجنة للطلب وإعلان موافقتها عليه لا يعني وحده مقياساً للديموقراطية، إلاَّ بعد قياس المدة الزمنية التي استغرقها التنفيذ.. فإذا لم تنفذْ الخدمة تماماً، فمؤشر الديموقراطية يشيرُ إلى (الصفر) مهما كانت الطريقة التي انتخبت بها اللجنة.. وإذا نفذت الخدمة في سنة، فإنَّ ذلك مؤشر على رداءة التواصل وتباعد المسافة بين الشركاء.. أما إذا اكتمل التنفيذ في شهر أو أسبوع فإنَّ ذلك يؤشر إلى درجة (الديموقراطية) في الحي..

بهذه المؤشرات للديمقراطية، فإنَّ التفكير يجب أن يتركز في تصميم الوسائط ومناهج التواصل بين الشركاء المستفيدين.. وأعود لمثال اللجنة الشعبية..

تصميم وسائط التواصل يعتمد على التالي..

أولاً: التفاعل المباشر مع كل الشركاء Stake holders في الاتجاهين، من وإلى.. من القاعدة إلى القمة .. ومن القمة إلى القاعدة.. ولا أقصد هنا مجرد إيصال الرسائل بين الطرفين فذلك أمر سهل، بل الآلية التي تحقق الاستجابة والتفاعل مع الرسائل في الاتجاهين..

ثانياً: الثقة؛ المتبادلة بين الطرفين. والثقة هنا هو الناتج الطبيعي التراكمي من استدامة صدقية العلاقة بين الطرفين.. وأهمية الثقة لكونها العنصر الأهم في ترفيع الناتج الإجمالي من العمل الجماعي.. فواحد من أهم مطلوبات نهضة الأمة هو قدرتها على (العمل الجماعي) المنتج.. تماماً مثل فريق كرة القدم، ترتفع قدرته على الفوز كلما كان لاعبوه أكثر قدرة على اللعب الجماعي لتحقيق الأهداف العليا..

يبقى السؤال المُهم.. كيف نرقمن الديموقراطية E-Democracy ..

سنجيب عليه بإذن الله..

اترك رد