هكذا يتساقط شبابنا!

0
0

قبل ثلاثة أيام فُجع الشعب السوداني في عشرين شاباً ماتوا غرقاً في البحر الأبيض المُتوسِّط وهم في طريقهم إلى أوروبا بطريقةٍ غير شَرعيةٍ، يبحثون عن حياةٍ أفضل، وربما هناك عددٌ آخر لم يتم العثور عليه، فالمركب الذي غرق بهم كان يحمل أكثر من مائة شَابٍ من جنسياتٍ مُختلفةٍ حالهم يشبه بعض، كُلّهم فَضّلوا ركوب المخاطر والتّضحية من أجل حُلم حياتهم، فكان خيارهم إمّا حياة تسرهم أو ممات يريحهم!

ليس هؤلاء وحدهم هم الشباب السودانيون الذين ابتلعهم البحر الأبيض المُتوسِّط خلال السنوات الماضية، فهناك آخرون كثرٌ سبقوهم وعشرات سيلحقون بهم، مادام الوطن ما زال عاجزاً عن منحهم الأمن والأمان والحُب والحَياة الكَريمة والتّقدير وما دامت نفوسهم تَتُوق إلى الانعتاق والتّحرُّر من الفقر والظُلم.

في شهر مارس 2016 مَاتَ حوالي عشرين شاباً سُودانياً غرقاً في عرض البحر الأبيض المُتوسِّط، أغلبهم كانوا من أبناء مدينة الفاشر، وكثيراً جداً مَا حَمَلت الأخبار وفاة أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر ماتوا مَعاً، وربما لم يخلُ قارب غرق في البحر الأبيض من سُودانيين قَـــط، وربما كثيرون لم يعرف أهلهم حتى الآن أنّهم غرقوا رغم مضي سنوات على اختفائهم.

قبل وصول حكومة الإنقاذ إلى السُّلطة لم نسمع ولم يحكوا لنا أنّ هناك سُودانياً وَاحداً غَرِقَ في البحر الأبيص وهو يُحاول التّسلُّل إلى أوروبا هَرَبَاً من الوطن، فقد كان الشباب يذهبون إلى أوروبا في رحلاتٍ عاديةٍ من أجل السياحة والفسحة أو الدراسة ثُمّ يعودون، ولكن حكومة المؤتمر هي التي دفعت الشباب دفعاً للهروب إلى أوروبا وغيرها بطُرُقٍ غير شرعيةٍ وخطرةٍ هَرَباً منها، ولا أدري كم بلغ عدد السودانيين الشباب الذين تَساقطوا في البحر الأبيض المُتوسِّط خلال عُقُودها الثلاثة وفُجع فيهم الوطن؟!

عشرة من الشباب الذين غرقوا هم من ولاية القضارف وحدها بعضهم أشقاء، والآخرون توزّعوا بين أنحاء السودان، من ضمنهم شابٌ كان عضو لجنة الحوار الوطني (قنع من خيراً فيها)، حيث تأكّد له أنّ الحوار لم يكن من أجل إعادة الأمل لبناء وطنٍ يجمع الشباب ويحميهم ويُحقِّق لهم آمالهم، فغادر تاركاً السودان للمُتحاورين يحاورون أنفسهم فقط، بعيداً عن مَصلحة المُواطِنينَ، وَخَرَجَ هو يبحث عن دولة العَدل وعن أحلامه وآماله لا يَخاف الأهوال ولا المَوت، ولا شَكّ أنّ لجان الحوار استقبلت الخبر مثلما استقبلت خبر مقتل دكتور بابكر وبقية الشهداء بكُلِّ بُرُودٍ!!

لا شك أنّ هناك العشرات أيضاً من أبناء الشعب السوداني هم الآن ينتظرون في السواحل الليبية، أو في طريقهم إليها أو حزموا حقائبهم أو اتّخذوا القرار بشكلٍ جادٍ للقيام بنفس الخطوة، فكُل خَطوةٍ تَقوم بها الحكومة تُباعد بينهم وبين الوَطن أكثر وأكثر، ولذلك سيظل الشّعب السُّوداني يفقد فلذات أكباده من الشباب الباحثين عن حياةٍ أفضل، فكل يومٍ يضيق هذا الوطن العريض رغم كل ما يحمل من موارد وإمكَانَات تجعله هو قبلةً لأحلام الشباب من العالم وليس العكس.

هكذا يتساقط الشباب السوداني بالداخل والخارج كحَبّات اللؤلؤ التي تنفرط عُقُودها كل يومٍ فتتفرّق في أماكن شتى، منها من يضيع ومنها من تظفر به جهات أخرى قد تعرف قيمته فتحسن التعامل معه وقد لا، ولذلك لا بُدّ أن يحدث تغييرٌ جذريٌّ في مناحي الحياة كَافّة حتى نعيد جمع شبابنا ونضمهم على صدر الوطن في عقدٍ جديدٍ أكثر مَتَانَةً وقُوةً.

اترك رد