عِلاج الخَطأ بالخَطأ

0
2

أزمة السيولة تكمل الآن سنة وثلاثة أشهر تماماً، وهي بلا شكٍ لم تحدث فَجأةٍ، بل جاءت نتيجة للسِّياسات الاقتصادية الفَاشلة التي اتبعها كل وزراء المالية والاقتصاد على مدى العُقُود الماضية، ولكن بدأت تتكشّف في عهد وزير المالية الأسبق بدر الدين محمود ولم يتمكّن من تداركها، ثُمّ ظهرت إلى العلن في عهد الوزير السابق الركابي وتأزّمت في عهد الوزير الحالي معتز موسى، ويبدو أنها (غلبتهم عديل)!
مازال الناس حتى هذه اللحظة يتكدّسون أمام الصرافات  رغم مرور كل هذا الزمن، كل الذي حدث، تحوّلت أزمة الصفوف الطويلة على أمل العُثُور على مصاريف إلى أزمة انتظار أطول بلا أمل وتلك قصة أخرى أشد سُوءاً  .
المُواطنون يبدأون رحلة الانتظار من خلال مُتابعة عربات البنوك التي تُغَذِّي الصرافات، فيُسجِّل المواطنون أسماءهم لدى حارس الصَرّاف، وبعد كل هذا يصرف عددٌ قليلٌ ممن سجّلوا أولاً ويُخذل الباقون! ثم أصبح الناس يتسابقون إلى الصرف مبكراً، فلجأ البعض إلى المبيت بالقرب منه حتى يجد فرصة لتسجيل اسمه في المُقدِّمة، وما أن تأتي الساعة السابعة صباحاً تكون الصرافات قد فرغت، فيجلس المُواطنون أمام الصّرّاف في انتظار تغذية منتصف النهار  ما بين الساعة الرابعة إلى الخامسة، منظرهم يشبه الأهالي الذين ينتظرون انتشال غريق لهم ابتلعه البحر، ورغم هذا يَفشل البَعض ليبدأ رحلة أخرى عند المَسَاء، وقد يقضي أياماً بهذا الحال!
في يوم 19 سبتمبر العام الماضي، أعلن رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية معتز موسى عن حل مشكلة السيولة بالمصارف خلال أسابيع  حددها بـ (8 – 10) أسابيع! وانقضت المدة مرتين والمشكلة تزداد تعقيداً، كما لم نَرَ أي جديد فيما يتعلق بوعده تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي لمُعالجة تَشوُّهات الاقتصاد، ولا يبدو أنه يمضي في الطريق الصحيح، فالاقتصاد يزداد تَشوُّهاً كل يوم!
كذلك في السابع من هذا الشهر، قال محافظ البنك المركزي محمد خير الزبير، إنّ نهاية يناير ستشهد انفراج أزمة السيولة النقدية، وإنّ الانفراج سيكون مع دخول الدفعة الأولى من الفئات الكبيرة التي تمّت طباعتها داخل وخارج السودان، وإنّ حل الأزمة النهائي سيكتمل بنهاية الربع الأول من العام الحالي .
اليوم يُعلن بنك السودان المركزي عن طرح فئة “100” جنيه الجديدة للتداول اعتباراً من مطلع فبراير المُقبل، فيما سيتم طرح فئتي الـ “200” و”500″ جنيه خلال الفترة المُقبلة تمهيداً لحل مُشكلة الأوراق النقدية بصُورةٍ نهائيةٍ خلال شهري فبراير ومارس المُقبلين.
السُّؤال المُهم الذي يفرض نفسه، هل مُشكلة السيولة تكمن في طباعة الأوراق المالية فقط، أم أن السبب الحقيقي سيؤدي إلى نفس المُشكلة مَرّةً أخرى فتضطر الحكومة لطباعة ورقة فئة ألف جنيه ثم لا تتوقّف، فحسب كلام أهل الاقتصاد أنّ الأمر مُرتبطٌ بثقة المواطن في النظام المصرفي ونمو الاقتصاد واستقراره ومُحاربة الفَسَاد.. وعليه، طباعة مزيدٍ من الأوراق النقدية سيؤدي إلى زيادة التضخم.. وعليه، المُواطنون مُبشّرون بمزيدٍ من الغلاء وباستمرار أزمة السيولة.. وعليه، الحل واحدٌ فقط .

اترك رد