الحوار بين من؟ ومن؟

0
3

بعد مظاهرات سبتمبر 2013 والدماء الجارفة التي سالتْ، برزتْ أصوات تدعو لإعلاء قيم الحوار.. والبحث عن مسافة وسط تجمع فرقاء السياسة لمصلحة الوطن.. وفعلاً أعلنت الحكومة عن مشروع أطلقت عليه (الحوار الوطني الشامل) وابتدرته بخطاب الوثبة الشهير في 27 يناير 2014 بقاعة الصداقة..

وترنح الحوار على مدى ثلاث سنوات وهو (يمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل).. على قول شاعرنا القديم الأعشى في معلقته الشهيرة..

وبعد انتظار طويل تمخَّضَ الحوار فولد مناصبَ دستورية كانت جائزة للأحزاب والأفراد المشاركين في الحوار.. الذين من فرط كثرتهم قال عنهم حزب المؤتمر الوطني في لحظة القسمة والنصيب (الكيكة صغيرة والأيدي كثيرة).. ونالت أحزاب مقاعدَ عليا مثل منصب مساعد رئيس الجمهورية.. وأخرى وزاراتٍ ورؤساء لجان في البرلمان.. وتدنت الجائزة لكل حزب حسب إلحاحه.. حتى وصل بالبعض القبول بمنصب وزير بلا وزارة.. ومعتمد بلا محلية.. ونائب بلا مجلس تشريعي..

وأنجب (الحوار الوطني الشامل) حوالي ألف توصية غالبها الأعظم من مثل (في السياسة الخارجية، التوصية بحسن الجوار).. توصيات أقرب إلى رسائل الواتساب التي يتبادلها الناس يوم الجمعة أو في المناسبات..

وبعد القسمة والنصيب في المقاعد الدستورية تشكلت حكومتان.. كان لهما شرف الوضع الراهن..

الآن، وبعد أن دخل السودان في موجة جديدة من المظاهرات فاقت نظيرتها في سبتمبر 2013 ضراوةً وبقاءً.. انطلقتْ أصوات كثيرة تطالبُ من جديد بالحوار.. كفاً لأذى المظاهرات والقمع المضاد.. رغم أنَّ كلمة (حوار) تعرضتْ لإفراط في الاستهلاك جعل مجرد النطق بها فيه شبهة استغفال.. وصار الشارع السوداني يعدها أقرب إلى ركل الكرة إلى مدرجات الجماهير بدلاً من الملعب..

الحكومة وحزبها المؤتمر الوطني ظلت تمتطي ظهر هذه الكلمة عقوداً طويلة بل وتسافر بها من عاصمة إلى أخرى تحت مظلة (البحث عن تسوية سياسية).. وتعددتْ الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة في عواصم كثيرة.. نيروبي، القاهرة، أديس أبابا، الدوحة، جيبوتي، أبوجا، برلين، كمبالا، جوبا وغيرها.. شهية مفتوحة للاتفاقيات طالما لا تغير حالاً ولا تميط أذى من الطريق..

لم يعدْ في السودان حزب لم يوقع اتفاقية، أو حزب لم يخرج عنها.. أسهل عمل تمارسه الحكومة توقيع اتفاقية بأي مُسمَّى.. وأسهل منه تجاهلها مع سبق الإصرار والترصد ثم تمزيقها والإجهاز عليها..

ومع ذلك يطل سؤال الآن.. حوار من مع من؟

في تقديري، الإجابة نفسها أصبحتْ في حاجة إلى (حوار) بذات الكلمة المستهلكة سلفاً (حوار)..

لو افترضنا أنَّ حزب المؤتمر الوطني أصالة عن نفسه يمثل طرفاً أصيلاً في الحوار.. فإنَّ الكفة المقابلة لا تحمل اسماً ولا وصفاً لهيئة أو جهة بعينها… بل توصيفاً لحال ومآل بلغ المقام الذي يجعله مرافعة كاملة الدسم، لا تقبل إلا التوقيع عليها والتسليم بما فيها..

مرافعة وطن وشعب كامل لم يعدْ يقبل أن يظل في مربع (دولة فقيرة)، تنتظرُ الإحسانَ من الآخرين أعطوها أو منعوها..

مرافعة عن مستقبل السودان الذي كلما مرَّ يوم أو شهر أو عام تحول إلى ماضٍ مترع بالفشل..

في كفتي ميزان الحوار.. لا يوجد بالكفة اليسرى إلاَّ  الحال..

ينتظر القرار..

ذات القرار الذي ينتظره الجميع..!!

اترك رد