قِفَـا نَبْـكِ بِمُنْعَرجِ اللِّوى

0
23

    البداية بالنكشة: يحكى أنَّ (أﺳﺪاً- Lion ) ﻭ(ﻧﻤﺮاً- Tiger)  ﻭ(ﻓأﺭاً- Rat) ﻭ(ثعباناً- Snake)  ماشين في غابة، فجأة  وقف  النمر وﻗﺎﻝ يا ﺟﻤﺎﻋة ﺟﻌﻨﺎ، رده عليه (الثعبان) وﻗﺎﻝ: ﻧﺄﻛﻞ ﺍﻟﻀﻌﻴﻒ فينا ودا قانون الغابة، فجأة نط الفأر وقفز فوق صخرة عالية  وقال:- (ﺃﻗﺴﻢ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺍﻟﺒﻬﺒﺶ ﺍﻷﺳﺪ دا، ح أطلع عينو) .

في واقعنا السياسي نجد أن معظم مشاكل البلاد تتمحور في (تصريح خاطئ  في توقيت خاطئ بأسلوب خاطئ) يصدر من جهة غير ذات اختصاص، ولا تحسب لما تقول أي حساب وعندها تقع الكارثة وغالباً تلك الجهة التي تصدر تصريحات غير منطقية تكون في موقع (الفأر) في القصة أعلاه .

 

ولعبارة الفأرة  في الثقافة السياسية الأمريكية وفي لغة الخبايا السياسية  والاستخباراتية الأمريكية وهي  بالانجليزية  (Rat)  معاني أخرى وتقع موقع معاني مثل (الواشي) أو المندس، والفتان، أو الخائن للجماعة،  أو الخائن للمظومة، وكلها تندرج تحت معنى عبارة (Rat) في أمريكا   وقد تنطق  (ماوس – Mouse). وقد يتم إطلاقها للشخص كثير الحفر في الخفاء للمجموعة، وليست عبارة (Mouth)، وتطلق عبارة (Mouth) بصفة خاصة للشخص  الذي يكثر حديثه وبلا جدوى فيه، أو لا يستطيع أن يكتم سراً، وزي ما بنقول بالعامية  (فولة في خشمو ما ببتنبل)   فلا تخلط  بين (Mouth و Mouse) وكلها  تنطق       ( ماوس).

كتبنا قبل أربع  سنوات،  مطالبين الحزب الحاكم في أمر  تشدد الدولة على كوادرها أن تلتزم الصمت، وأن لا يترك حق التصريح  الإعلامي لأي جهة إلا لشخصيات  محددة، وأن لا يترك الحبل على القارب للكل أن يصرح باسم الحكومة، أو باسم الولايات أو باسم أي جهة تنفيذية أو تشريعية، ما لم يكن هو الشخص المفوض بإطلاق التطريحات الرسمية  والإعلامية.

وقلنا يجب  وأن تترك أمر المقابلات الإعلامية لشخصيات معينة  ويتم تدريبها بكيفية الحديث للجمهور ويتم تدريبها بكيفية الحديث للإعلام  المحلي  أو الأجنبي، ويتم تدريبها على  كيفية التصريحات وقت الأزمات، وكيفية التعامل الإعلامي بشفافية، ونكرر  عبارة (بشفافية)  في بث الخبر ولكن  بذكاء  في اختيار العبارات، وليس بالعنترية.

كل الناس تقريباً  تابعت  معظم من تم استضافتهم عبر القنوات الأجنبية  (قناة الحدث – قناة العربية – قناة BBC العربية –   القناة الفرنسية 24 – قناة الشرق المصرية  – قناة الحرة)، وتابعنا كيف أن بعض ممن تمت استضافته قد كان أقل من المستوى الموجود حتى في أبسط الدول معرفة  إعلامية  بالتصريحات، بل كان البعض  أقل  من أن يكون تحت خط المستوى فيما يقول وفيما يصرح به .

من السهل أن تقول لشخص:- (إنَّ حديثك حديث شخص كاذب)،  ولكن من الممكن أن تقوله له بأسلوب أقل حدة ولكن يحمل كلامك  ذات المعنى  بأن تقول له (إنَّ حديثك يا أخي الكريم يجافي الحقيقة)، بالطبع  هي نفسها تعني  (كاذب)  ولكن بأسلوب مهذب (يسجعل الطرف الآخر يتقبله   ويمرره لك  بلا ضجيج ).

كذلك  في التصريحات الاقتصادية  والتصريحات السياسية  وغيرها  من أنواع التصريحات، لا تخفوا الحقائق، بل مطلوب الشفافية  ولكن أن تنطق عبر شخصيات  تعي وتعلم كيف تستخدم العبارات المناسبة  في التوقيت المناسب،  وأن تبعد  من عبارات العنتريات خاصة فيما يخص الشعب، فإن الشعوب الحرة  لا تقبل المذلة  ولا تقبل التحدي، وأي  جهة  حزبية  أو شخص سياسي  إذا  ما قرر أن ينتحر سياسياً،  ما عليه  إلا أن يطلق التصريحات العنترية التي يسخر فيها من الشعب  مثل عبارات (ألحس كوعك)  أو يطلق عبارات تستفز رجولة الشخصية السودانية، بمثل ما (قال أحدهم)   كما ورد في صحيفة (التيار) أمس بصفحتها الأولى  (أدونا أسبوع  والراجل تاني يمرق  – الخ الخ)، فهذا تصريح والحديث وإن قاله بحسن نية وإن قصد به ما لم يفهمه رجل الشارع العادي البسيط ،  ولكنه لم يحسن اختيار التوقيت  ولا العبارات التي صنعت في كل مواقع التواصل ردود عكسية تماماً  .

مثل هذا الحديث يأتي بنتائج عكسية  بل يصب الزيت على النار ويرفع درجة التوتر السطحي في المناخ العام السياسي  والاجتماعي، ويرفع ضغط الاحتقان وقد يسبب الانفجار، فمن المسؤول هناك، بكل تأكيد   من أطلق التصريحات هنا عليه أن يتحمل وزر مستويات الفهم المختلفة للشعب، وعليه أن يعلم في المقام الأول بأن هنالك اختلافات كبرى في مستويات  فهم الرسائل  الإعلامية، وهناك من يترصد لتحويل كل حرف ليكون  مدخلاً وباب حرب عشوائية، وهنالك من يحور المعاني ليجعل من صاحب التصريح مجرماً، وهنالك من لا يفهم إلا ما يريد أن يفهمه  هو وبس، وما  تم   تفصيل عقله وزرع فيه  فقط ليفهمه،  وكل ما هو دون   أو ما هو أعلى من ذلك، لا يساوي عنده مقام غرزة في نعله، وإن كانت النظرية النسبية، وإن كان قانون نيوتن  الثالث، سيرمي بهم في أقرب مذبلة .. ولا يبالي.

اترك رد