يا “حاج” … وألقابٌ أخرى ..

0
45

بقلم: سيف الدين عبد الحميد

،، لقب “يا خال” وهذا اللقب رغم حميميته الظاهرة بالمقارنة مع لقب “يا حاج” ورغم أنه لقبٌ مألوف لمن كان له ابن أخت حقيقي لكنه ولأكثر من عقدٍ من الزمان استشرى بصورةٍ غريبة بين الصبية وتغول على لقب “يا عم”،،

،، الشيخ حسن الترابي رأى أن لقب “الدكتور” يجعل له أندادا من تلاميذه ومنافسيه لذا لا بد من التميُّز عليهم بلقبٍ وإن كان مألوفا اجتماعيا ودينيا يميِّزه روحيا ويجعله في مصافّ البخاري ومسلم وبقية مشايخ المسلمين،،

،،من عيوب هذا اللقب أنه كان في وقتٍ ما، قبل المفاصلة يستبطن في بعض الأحيان تهديدا ضمنيا للشخص المخاطَب لأن المتحدث عندما يطلقه يريد أن يشعرك بأنه صاحب نفوذ “اسمع يا شيخنا..” فتكون الرسالة وصلت إليك،،

في مخزون الذاكرة عوالقُ جمة ومما علق في مخزون الذاكرة أنَّ زميلنا في خور طقت الثانوية “الحاج” محمد عبد الله محمد إبراهيم (من أبناء قرية تفنتارة بريف أم روابة) كان يردّ ردا طريفا على من ينادونه بلقب “الحاج”. فلقد قيَّض الله لذاك الزميل أن يحج في شهر ذي الحجة من عام 1399هـ (الموافق 31 أكتوبر 1979م) وكان سبب تيسير الحج له جائزة نالها لتفوقه في التدريب العسكري “الكديت” على مستوى السودان. وقد كان في معية بعثة الحج التي صحبها زميلنا محمد عبد الله ،كما ذكر لنا هو ،مولانا دفع الله الحاج يوسف وزير التربية والتعليم آنذاك والمرحوم د. عون الشريف وزير الشؤون الدينية والأوقاف آنذاك. وعودا إلى الرد الطريف الذي حال دون ذكره الاستطراد ذلك أن الطلبة في الداخلية كانوا ينادون محمد عبدالله “يا حاج محمد.. يا حاج”، وكان يرد عليهم في ظرفٍ وطرافة (يا أخوانا الحج دا فريضة مثل الصلاة، فهل إذا أدى أحدكم الصلاة ستقولون له يا مُصلِّي؟) بالطبع لا أحد يقول للآخر يا مصلِّي ولا يا صائم ولا يا مزكِّي، ولكنها عادة استشرت بين السودانيين أن ينادوا الحاج العائد من مكة بهذا اللقب بل واستشرت بين حجاج غرب إفريقيا من لدنِّ الحاج عمر بن سعيد الفوتي، بل وفي بعض البلاد الأخرى ومنذ قديم الزمان. هذا كله شيء، أما الشيء الأهم والأنكى هو استشراء هذا اللقب منذ فترة بين عامة الناس هنا ولا أدري سر استشرائه: أهو شيء متعمد من جهةٍ خفية أم أنه مثل تلك النكات والعبارات التي تطلق في فترة من الفترات ويمضغها الناس ثم يقذفون بها إلى مزبلة التاريخ. أياً كان الأمر فأنت لا تزال تسمع هذا اللقب غير المستحق يقع على أذنيك كل حينٍ وآخر عندما يناديك أحدهم أو يستأذنك في شيء سواءً أكان في المواصلات العامة أو على عتبة البقالة أو باب المسجد أو في الشارع أو ربما داخل الجامعة أو المؤسسة الحكومية، المهم تسمع في كل مكان: يا حاج، يا حاج !! بعد أن كان النداء في السابق من قبيل: يا خينا أو يا سيِّد أو يا ابن العم. وعلى العموم أنا لا أخفي اغتياظي من لقب “يا حاج” واستنكره لأنه يضعك موضع النكرة خاصة إذا استشعرتَ طبيعة مهنتك: أستاذاً كنت أم ضابطا أم طبيبا وذلك خلافاً للقب “يا خينا أو يا سيِّد أو يا ابن العم” التي تحسُّ فيه شيئا من الحميمية، ولكن وددتُ أن لو أعانني الله على حج البيت لأداء الفريضة إيمانا واحتسابا لا تباهيا باللقب. لقد طغى هذا اللقب المستحدث في الآونة الأخيرة بحيث تجاوز أهله “حجاج بيت الله” ليتساوى فيه الأستاذ والدكتور والنجار والتاجر والإسكاف والبروفيسور والصحفي وسائق السيارة وكل شرائح المجتمع، ولم ينجُ منه إلا من كان داخل سيارته المظللة أو المغلقة الزجاج أو سجين القصور.

اللقب الثاني هو لقب “يا خال” وهذا اللقب رغم حميميته الظاهرة بالمقارنة مع لقب “يا حاج” ورغم أنه لقبٌ مألوف لمن كان له ابن أخت حقيقي لكنه ولأكثر من عقدٍ من الزمان استشرى بصورةٍ غريبة بين الصبية وتغول على لقب “يا عم” ذاك اللقب التقليدي الذي كان يستأنس به الكبار ويكون مفروضا على الصغار لمناداة أكابرهم خاصة في المجتمعات الريفية المحافظة، فأنت ابن كل أهل القرية وأهل القرية كلهم آباؤك وأعمامك وحذار أن تنادي أحدهم باسمه. لكن يبدو أن ثقافة دخيلة طارئة خلقت الإحلال والإبدال بين لقبي “يا عم” و”يا خال” لشيءٍ في نفس القوة الخفية التي تقف وراء لقب “يا حاج ويا خال”. لقد سمعتُ لقب “يا خال” في طبعته الجديدة في منتصف التسعينيات الأخير في مدينة سنار، وما أن استقر بي المقام في العاصمة حتى بدأت أذني تلتقط هذا اللقب الدخيل من شباب المدينة وصبيتها “يا خال.. يا خال”. وحدث أن سألتُ أحد أصحابي من الكلبيين الساخرين cynics إن كان يعرف سر لقب “يا خال” المريب، فأجابني إجابة فزعتُ منها ولكنه قالها بطريقةٍ لا تدع سبيلاً إلى المراوغة وتشعرك بمنطقيتها. والطريف في اللغة أن الخال أيضاً تعني الشامة السوداء،  والطريف في الأمر أن لقب يا “عم” اختفى بطريقة تدريجية انتقالية بعد أن أضيفت إليه “واو” مثل الواو التي استلبها “عمرو” من “داود” وبذلك أصبح كبير القوم يُنادَى “يا عمُّو” وخاصة في المدن… وهذا اللقب المزيد بالواو في آخره أفقد لقب “يا عم” حرارته كما أفقده التوقير والتبجيل الطبيعيين، لأن “يا عمُّو” هي “يا عمَّه”، عمُّ مَن؟ لا أدري!

أما اللقب الثالث فهو لقب “يا شيخ” أو “يا شيخنا” وأحياناً تضاف إليه الألف واللام مع حذف ياء النداء “الشيخ”. هذا اللقب كان وما زال يطلق على شيخ الحلة أو شيخ القبيلة أو شيخ الخلوة، ولكن بات يأخذ في العقدين الماضيين طابعا جديدا بعد تفرد الشيخ حسن الترابي بالساحة واستغنائه عن لقب “الدكتور” الذي كان معروفا به في السبعينيات والثمانينيات. فالشيخ حسن الترابي رأى أن لقب “الدكتور” يجعل له أندادا من تلاميذه ومنافسيه لذا لا بد من التميُّز عليهم بلقبٍ وإن كان مألوفا اجتماعيا ودينيا يميِّزه روحيا ويجعله في مصافّ البخاري ومسلم وبقية مشايخ المسلمين كما يجعله متفوقا على مشايخ السودان الدينيين بحكم الغلبة السلطوية التي تبرزه على شاشة التلفزيون وصفحات الصحف وجميع وسائل الإعلام حتى يعلم الداني والقاصي أن الشياخة أتته منقادةً إليه تجرِّر أذيالها. لذا لا غرو إنْ تنكَّر شيخ حسن لشهادة الدكتوراة وسخر منها في كل محفل، ففي أحد المحافل وفي قرية ود النيَّل الواقعة جنوب مدينة سنجة أتى شيخ حسن لحضور الاحتفال بتعيين يوسف أحمد يوسف أبوروف ناظرا لقبيلة رفاعة الهُويْ وكان ذلك في يوم الأحد الموافق 26/5/1996م، وفي خطابه للحشد القبلي ذكر ما نصُّه (نحن أبناء الغرب، تعلمنا في الغرب ونعرف الغرب تماما فقد منحنا شهادة الدكتوراة، وهي شهادة لا فائدة منها غير أن يقول لك الشخص يا دكتور.. يا دكتور”. وأراد الشيخ أن يوحي للحاضرين من خلال هذه العبارة أنه لم يعد “دكتورا” فهو شيخٌ وكفى! وأقرّ الجميع بشياخته وعقدوا له لواء البيعة في تلك المناسبة، وبهذا كان شيخ حسن هو أول شيخٍ يكون له القَدْح المُعلّى(وجمعها قِداح) على نظَّار القبائل ويبارك تعيينهم حتى ولو كان الناظر يحمل رتبة عقيد “م” مثل يوسف أحمد يوسف أبوروف. لكن ما يعنينا أن هذا اللقب الشيخي بـ”ماركته” الترابية المسجلة قد تناقله تلاميذ الشيخ ومريدوه وبدأوا يتنادون به وينادون به غيرهم أحيانا حتى أن الآخرين تأثروا به إلى حدٍّ ما، فأنت تسمع “يا شيخ” أو “يا شيخنا” أو “الشيخ” في السوق أو في المواصلات العامة أو غيرهما. وكاد هذا اللقب يركز في الذاكرة الجَمعِية ويصبح مثل لقب “يا حاج” و”يا خال” لولا أن الأقدار أبعدت الشيخ من الساحة وانحسر بانحسار نفوذه هذا اللقب التأصيلي، ومع ذلك ما زال بعض تلاميذ شيخ حسن يحملون هذا اللقب إما تيمنا وتبركا به أو استلابا له من صاحب الشياخة. ومن عيوب هذا اللقب أنه كان في وقتٍ ما، قبل المفاصلة يستبطن في بعض الأحيان تهديدا ضمنيا للشخص المخاطَب لأن المتحدث عندما يطلقه يريد أن يشعرك بأنه صاحب نفوذ “اسمع يا شيخنا..” فتكون الرسالة وصلت إليك. وجملة القول أن هذه الألقاب الثلاثة ربما كانت إحدى نتائج ثقافة العقدين الماضيين بسبب الحراك الاجتماعي الكثيف واختلاط الحابل بالنابل .

أما أبو الألقاب الذي أصبح يُنادى به كلُّ هابٍّ ودابْ فهو لقب “يا دكتور”. هذا اللقب الذي كان ذات يوم يمثل درجة علمية رفيعة في الحقول المختلفة، ولا يحصل عليه طالبه إلا بعد كدٍّ وجهدٍ جهيد في الأطروحة والتي تقتضي الرجوع إلى المراجع العلمية الكثيرة ذات الصلة بالموضوع أصبح الآن نهبا لكل ناهب فحيثما التفتَّ كان حولك “دكتور” عن يمينك وعن شمالك ومن خلفك وأمامك حتى علَّق أحد الظرفاء ذات يوم قائلاً (لقد أصبح الحصول على شهادة الدكتوراة أسهل من الحصول على شريحة موبايل كما أصبح لقب “يا دكتور” مثل لقب “يا حاج” في ميدان جاكسون)، وبالمثل علَّق أحدهم بأن الذين يحملون شهادة الدكتوراة أصبحوا أكثر من عامة الناس الذين لا يحملونها، ورغم ما في هذا الكلام من مبالغة لكنه يدل على كثرة “الدكاترة” في زمن الكثرة وغياب الجودة. وأغلب الظن أن هذه الدرجة العلمية استرخصت بعيد مطلع تسعينيات القرن الماضي في إطار سياسة الإغراء والاستقطاب، وأظن ، وبعض الظن غير إثم أن استرخاصها كان من بنات أفكار الشيخ حسن الترابي الذي لا يعدم الحيل إذ كان هدفه منها خلق الغيرة بين الخريجين حتى يأتوا إليه مهرولين، وهي في النهاية (شهادة لا فائدة منها غير أن يقول لك الشخص يا دكتور… يا دكتور). نعم أصبحت الدكتوراة منحة، وربما كان لمانحها سابقة في قصةٍ تنسب إلى المرحوم د. عبد الله الطيب إذ يقال إن أحد طالبي شهادة الدكتوراة كان ملازما له وكان د. عبد الله مشرفاً على أطروحته التي طالما رُفضت ولما ضاق عبد الله الطيب ذرعا بإلحاحه على الحصول عليها أجازها له وقال له (منحناك إياها!) بمعنى أنك لست أهلا لها. ومما رواه أحد كتَّاب المقالات في صحيفة الصحافة عام 2003م قصة المشرف الجامعي الذي كان يشرف على رسالة أحد الطلبة ففوجئ عصر يوم بحضور مجموعة من أهل الطالب إليه في منزله ليزكُّوا له ابنهم بحسبانه ابن عزٍّ وجاه، فسألهم وما علاقة ذلك برسالته؟ فردوا عليه بضرورة أن يقوم باللازم تجاه ابنهم ويجيز له رسالته، فما كان من المشرف إلا وأن اعتذر غداة غدٍ للجامعة عن الإشراف على تلك الرسالة : رسالة ابن الأكرمين! وما عساه يفعل غير ذلك وهو صاحب الضمير الحيّ. وربما كان للكاتب المصري عباس محمود العقاد مندوحة في الإشاحة بوجهه عن اعتناق هذه الرسالة المعروفة عالمياً بال PhD حيث يقال إن هذه الدرجة العلمية قد عُرضت عليه ولكنه صدَّ عنها في نفور وإباءٍ إذ لم ير في رأيه أن هناك من هو جديرٌ أن يمنحها له، وكأنَّ العقاد كان يتنبأ بما ستؤول إليه حالة هذه الدكتوراة مستقبلا،  فاختار أن يتسامى عليها بكونه عالما جامعا. وغاية الأمر أن الدكتوراة هي ربطٌ علميٌّ محدود لأن العلم فيما يقال بحرٌ لا ساحل له، فالدكتور نفسه لن يقف مكانه ويقول [حسبي] فهو ما يزال يطَّلع على الكتب والرسائل والبحوث حتى مماته فيبقى له حينها علمٌ ينتفع به. ولكن انظر إلى “دكتور” اليوم وهو يمشي مشية الطاؤوس ويحمل في يمناه حقيبة اسمها “تدكترنا” وعيناه تختلسان النظر عساهما تقعان على من يناديه “يا دكتور.. يا دكتور”.

اترك رد