انتفاضة الاتحادي.. زاوية أخرى

0
2

قراءة: أحمد عمر خوجلي

ظَنّ كثيرون أنّ خبر استدعاء السيد محمد عثمان الميرغني لعددٍ من قيادات حزبه الاتحادي الأصل والطريقة الختمية، تظاهرة عادية عابرة  لا تتجاوز الكثير من اللقاءات التي تحدث بين الميرغني وقيادات من حزبه وطريقته التي لا تتجاوز العادي وتتحاشى على الدوام أن تصوّب ناحية قضايا الراهن السياسي والعربي بشكلٍ حاسمٍ وصريحٍ ومُباشرٍ، لكن حدثت المُفاجأة باستصدار قرارات كُبرى أهمها على الإطلاق إزاحة نجل الميرغني من الإمساك بزمام الحزب والطريقة بشكل هدد وضعيتها بالداخل وعلاقاتها في الخارج.

البيان لغةً وحجماً

البيان الذي أصدره الحزب على لسان ناطقه الرسمي الفاتح تاج السر لن يجد من يتأمله أن يقول إنه بيانٌ حقيقيٌّ وشافٍ واضح اللغة وقوي الأسلوب حوى جملة من الفقرات والإشارات، لكن أهمها على الإطلاق تعيين السيد جعفر الصادق ممسكاً بزمام الأمور بديلاً للحسن المرغني.
صحيحٌ أن الإزاحة داخل دائرة الأبناء الضيِّقة وسط أسرة الميرغني – كما أشار القيادي علي محمود حسنين – لكنها تمثل تَحوُّلاً في الطريقة التي ظلّ يدير بها الحسن ما بيده من سُلطاتٍ تتعلّق بالطريقة الختمية والحزب في جوٍّ من التآكل المُستمر والغياب الظاهر للحزب قيادات ومؤسسات، وللطريقة كجسمٍ مُعبِّر عن جماهير عريضة من أنصار الميرغني.

الخَطر الداخلي

الأحداث الأخيرة التي جعلت الحزب الحاكم يسارع إلى تحسس مواقف ومواقع حلفائه من الأحزاب والحركات المُشاركة معه في الحكومة حتى يثبت أرجله على قاعدة أوسع صلبة الأرضية يستند عليها في ناحية الرد الإعلامي والدعائي من جهةٍ، وعلى مستوى تحييد جماهيرها من الانخراط في موجات الاحتجاج والدعوة لتغيير النظام من جهةٍ أُخرى، فلم يجد السيد الحسن الذي ظَلّ مُسيطراً على الأمور في كل شيء إلا محاولة اللعب بالبيضة والحجر وإرسال الإشارات المُتلبسة من هنا وهناك، التي أثبتتها المواقف المختلطة والمُرتبكة  وتوزيع الأدوار للقيادات في الاستضاف، الى جانب (معاوية) موائده ونفراته في المساء والصلاة مع الجائعين بتجمعات (الحسين) في رابعة النهار وفي طرقات وأسواق الخرطوم ومُدن الولايات.

العامل الخارجي

صحيح ان السيد الحسن في زيارته الآخيرة لمصر كان ممثلاً لرئيس الجمهورية في افتتاح مسجد الفتاح العليم والكاتدرائية في المدينة الإدارية الجديدة، وان ذلك منحه فرصة الالتقاء بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من خلال الأخبار التي تم بثها في المَواقع المُختلفة للصحف وفي الفضائيات، لم ينله كثير من المسؤولين الكبار في الخرطوم من الحزب الحاكم في كثير من المُناسبات لدى زياراتهم لمصر، لكن اللقاء والحفاوة من الرئيس المصري يمكن أن يقرأ أيضاً كرسالة تبين قدر المسافة ومدى حميمية العلاقة بين الدولة المصرية وحكومتها المُختلفة – من غير تلك السابقة التي قادها الإخوان المسلمون – وبين الاتحاديين كمعامل تاريخي ارتبط بنشوء الحركة الاتحادية وعلاقتها شديدة  الخصوصية بمصر. وهذا يمكن قرءاته بما حدث مع الامام الصادق المهدي من عدم ترحيب بعودته الى منزله في مصر من رحلة خارجية رأت السلطات المصرية انها لا تريدها ولا ترحب بما يبذله الإمام من جهود ربما تمر بعيداً عن مجاري رغباتها ومصالحها في الوقت الذي تترك فيه السيد محمد عثمان الميرغني ضيفاً باقياً مقيماً ما شاء له البقاء وشاءت له الإقامة.

وبذات القدر مضاف الى ذلك، توجُّهات الحزب الاتحادي ومواقفه الاستراتيجية ككيان مُعارض للإسلاميين على مدى طويلٍ من الصراع معهم وعلى خلفية البحث عن عودة نظام ديمقراطي يعيد لهم أراضٍ شاسعة من الجماهير التي مزّقتها الانشقاقات والشراكات مع حكومة أمر واقع.

الدائرة الأبعد

وما يقاس في علاقات الحكومة والاتحاديين ومصر ينسحب أيضاً على العلاقة مع دول الخليج العربي، فقد ورد في البيان أنّ الحزب الاتحادي: (تناول الاجتماع المواقف العربية، مؤكداً دعم الحزب الكامل لمحور الاستقرار ضد المُؤامرات، وأهمية التضامن العربي في دعم جهود الحزب ضد الإرهاب، وأمّن على أولوية الاستقرار في كل الدول العربية).

تحول 180 درجة

وتصبح الخلاصة أنّ الإطاحة بالسيد الحسن وإبعاده من مقود القيادة في الحزب والطريقة قد تعني في الظاهر أمراً ذا بال وتأثيراً في توجهات الحزب والطريقة باعتبار أن السيدين (جعفر والحسن) هما شقيقان من طينة واحدة ويتصلان بشكل مباشر بالسيد محمد عثمان الميرغني، في وقت ذكرنا أن الحزب صار منذ سنوات يتعرّض لتآكلٍ مُستمرٍ وتناقصٍ في قياداته بسبب الاستقالات أو الانشقاقات أو التّهميش ثم الرحيل والعجز، لكن تعني الإطاحة بشكل كامل لتوجهات الحزب بشكل كامل عن الفترة التي كان يدير فيها الحسن الأمور ربما بسبب قيود الوظيفة الدستورية أو مجموعة القيادات التي صارت تلتصق كل يوم بالحزب الحاكم ومصالحه الى درجة التماهي الكامل، الذي فيما يبدو أنه تعارض مع احتمالات ما ستفسر عنه الأحداث الجارية في هذه الأيام من جهة أو بمواقف استراتيجية لدول حليفة للحزب والطريقة، تسعى الى ادخارها ليوم كريهة وسداد ثغر في يوم من الأيام.

اترك رد