جريمة ضد مجهول ..من قتل اللغة العربية؟ تعقيب

0
6

طالعت في عدد التيار ليوم الأحد 6 يناير تحقيقا بالعنوان أعلاه للأخت زينب أحمد، وقد أعجبت بتناولها الهادئ للسؤال المطروح، ولكن لديّ إضافات أجدها مهمة لم يتطرق لها الذين أجابوا على السؤال، وبدءا أقول إن اللغة العربية لا تموت لأنها هي لغة القرءان ولكنها تتعرض لنوبات من الإغفاء ومن بعد تسترد عافيتها ونشاطها ، ولعلنا نتذكر فترات الحكم التركي والمماليك الذين هددوا اللغة في مظانها ولكنها عادت  كما كانت ، ولعلنا اليوم في   النوم الثاني..

من أخطر ما تجابهه اللغة حاليا هو الثورة الرقمية والآلات الحاسوبية فقد كانت الكتب قديما وإلى ما قبل خمسين عاما أو أقل تطبع بالجمع اليدوي الذي لا يجيده إلا من يتقنها  وكفى أن الشاعر النابه التيجاني يوسف بشير كان من أهل هذه الحرفة التي أنهت حياته بسببها ،وكذلك إذا نظرنا إلى الكتب القديمة التراثية فنجد المحققين لها الذين يقارنون بين النسخ الموجودة من الكتاب في طبعاته أو مخطوطاته ليحيلوها مادة ميسرة للقارئ الذي يبحث عن المعرفة..

لعل الباحث عن الشعراء السودانيين وعن وظائفهم ومنبع تعليمهم يجدهم من معلمي اللغة العربية، ومنهم كمثال وليس حصرا فراج الطيب السراج والبروفسير عبد الله الطيب وعبد الله الشيخ البشير والهادي آدم ومهدي محمد سعيد ومحمد محمد علي وإدريس محمد جماع والقائمة تطول ، وأكر أنني سألت الشاعر مهدي محمد سعيد عن هذه الظاهرة فقال :كنا – نحن المعلمين- نخاف من الطلاب بسبب ما كان موجودا من معارف من محلات أسبوعية وشهرية كان شراؤها  في متناول اليد، فربما يباغتنا أحدهم بسؤال فنبهت ولا نحير ردا فكنا نقرأ ونجود قراءتنا .. وهذا يقودنا لطرح سؤال وهو أين المجلات الثقافية الآن؟ اختفت مجلات “المجلة العربية”و “الفيصل” و”الحرس الوطني” ومجلة “العربي” الكويتية التي صارت ترد على استحياء للمكتبات ونحن الآن في اليوم السادس من يناير ولم تصافح المكتبات مجلة العربي لشهر ديسمبر المنصرم.. بل ذهبت المجلات السودانية كاملة الدسم كمثل ” الصبيان” التي كان يكتب فيها ب.عبد الله الطيب وظهرت برئاسة تحرير العم سرور أي عوض ساتي  ، ونشرت المحاولات الصحفية للكاتب الراحل الشهير محمد طه محمد أحمد وكتب فيها  الشعراء حسن أحمد البدوي والمعز عمر بخيت  والكتاب إبراهيم كامل عبد السلام وفؤاد محمود عبد العظيم وكثير ممن ضاعوا من ثقوب الذاكرة ..كان ذلك عام 1946 أي قبل أكثر من ثلاث وسبعين عاما ، فأين نحن الآن منها؟ كانت توزع على المكتبات والمدارس فيقبل عليها التلاميذ بنهم وشغف ولكن لما تحول التعليم إلى هذا المسخ ، والذي أسوأ ما فيه أنه طبع بالحاسوب ، فمن وضع المناهج ومن طبعها ومن راجعها ؟ إذا أخرجنا المؤلفين من دائرة الاتهام فنجد الطابعين في فوهة المدفع فهم لا يحسنون الإملاء بل يجيدون الكتابة المحضة .. خطأ أم صوابا..فهم من جيل ما بعد الإنقاذ ، والمراجعون، عفا الله عنهم، لا يراجعون ما كتب ..وأذكر أنه كانت مجلة الصبيان برغم صدورها أسبوعيا ، تراجع “البروفات” قبل إصدار الأمر بالطبع..فتخلو من الأخطاء ..جليلها وصغيرها ..فتزداد حصيلة التلميذ اللغوية ..وهذا طبعا لأن التلميذ كان يستطيع القراءة بمهارة وفهم ولم يكن سعرها غير متاح..بدأت بقرش واحد وصارت بقرشين اثنين يمكن جمعهم من توفير بعض نقود الإفطار..من الأخطاء الظاهرة التي أجدها في ذهني الآن كلمة (ما فتئ )التي هي إحدى أخوات كان فنجدها في منهج النحو في الصف السابع هكذا..ما فتيء ! تتكرر في عدة مواضع وكذلك من الخطأ المتكرر في المنهج وضع التنوين بفتحتين غلى حرف الألف بدلا عن وضعه على الحرف قبله فتجده مكتوبا  هكذا ..غفوراً  بدلا عن غفورًا .. مجيداً بدلا عن مجيدًا وقس على ذلك من أخطاء لو عرف الكاتب على الحاسوب الإملاء لما وقع فيها فأخرج كتابا للنحو يحتاج نفسه لمن يراجعه  بدلا عن أن يكون منهجا للتعليم ..فصار منهجا للتجهيل .. ولا بد أن تصاب بالدهشة عندما تجد أن من تحدثه عن فساد المنهج يحتج عليك : كيف تكون أنت مصيبا والمنهج الذي وضعته الوزارة على خطأ ؟

الصحف اليومية والثقافية على كثرتها لا تجد فيها إلا مزيدا من الأخطاء بحيث سمعت أحد رؤساء التحرير يقول إنني لا أريد تصحيحا فائق الدقة فقرائي ليسوا من ذوي الاهتمام باللغة العربية ولا بغيرها بل يريدون المواد بصيغة”بالصورة والقلم: ثعبان يسقط من السماء على راكب في لوري بالصحراء فيلدغة فيتوفى في الحال”

كانت الجمعيات الأدبية سابقا تخرج الأدباء والشعراء وتستخرج إبداعاتهم الغضة من إلقاء شعري وتأليف ، وتعرضها للمناقشة  بين الطلبة أنفسهم والمعلمين ، ولا ننسى ما كان من مطارحات شعرية بين الطلاب ومناقشات في أمور عامة كخروج المرأة للعمل بين مؤيد ومعارض، وقد سمعنا إبداعات شعرائنا آنذاك من صلاح أحمد إبراهيم وماريا ، والحسين الحسين وحبيبة عمري  تفشى الخبر ، وأما الآن فهي لا تخرج إلا مغنين  يفتخرون أن المدرسة هي التي أعطتهم الضوء الأخضر للغناء! فيضافون إلى سلسلة المغنين المتكاثرة أميبيا بحيث صرنا بلد الثلاثين مليون مغنٍّ! ومن العجيب أنك لا تسمع منهم غناء باللغة الفصحى.

ولكن ماذا نقول إذا وجدنا أن الوزارة تتحدث عن مكتب القُبول  للجامعات وليس مكتب القَبول..ولن أشرح الفرق بين القَبول والقُبول..GOBOOL INSTEAD OF GABOOL.!

أؤيد ما جاء من ترهل الكتب غير المجدي وضعف مستوى المعلم نفسه وعدم وجود منافذ للتعبير الجميل، فحتى حصص الإنشاء صارت غير ذات وجود في المنهج وكذاك الأمر بشأن المكتبة المدرسية ..

كتبت مادة قبل هذا عن أخطاء منهج السنة السابعة في الفيس بوك ولكنني لا أجد من يقرؤه من الوزارة فيعقب عليه أو يتدارك أخطاء كتابه.

عبد السلام كامل عبد السلام يوسف

اترك رد