سوء التغذية..ثلث أطفال السودان في دائرة الخطر

0
28

ينتشر في تسع ولايات

سوء التغذية..ثلث أطفال السودان في دائرة الخطر

مجرد الإشارة إلى وجود حالة واحدة من مرض سوء التغذية في السودان فإنها تكون مدعاة لرفع حاجب الدهشة تعبير عن التعجب الذي مردُّه إلى أن هذه البلاد تتمتع بموارد زراعية جعلتها على رأس قائمة  الدول الثرية بمواردها على الصعيد الاقتصادي وأن هذا يعني أن يكون واقع المواطن بالضرورة مختلفاً ولا يعرف أمراض ناتجة من نقص التغذية، بيد أن الحقيقة الماثلة تؤكد أن ثلث أطفال البلاد مصابون بهذا التغذية، وهذا الرقم المليوني يكشف عن وجود ثمة أزمة وربما أزمات تقف وراء تفشِّي سوء التغذية ووصوله إلى ولايات لا تعاني اضطرابات أمنية ولا تعوزها الإمكانيات الزراعية والحيوانية.

تحقيق: ناهد سعيد

تزايد مستمر

ولأن الأرقام لا تكذب ولا تتجمل فإن إحصاءات رسمية تؤكد أن معدلات سوء التغذية تمضي فى تزايد مستمر ورغم الجهود المقدرة التي يبذلها برنامج التغذية القومي فى السودان منذ تأسيسه فى العام 1967م، والغريب في الأمر أن أول سمنار عقده السودان في العام 1972 حول الغذاء والتغذية كشف بأن مشكلة سوء التغذية من الخطورة بمكان وأنها تحتاج نهجًا عالي التنسيق وجيد التخطيط كما تحتاج إلى التعاون النشط من عدد أكبر من الجهات وتشير التوصية التي صدرت قبل خمسة عقود إلى الحاجة للتنسيق وتنبأت بخطورة المرض الذي تمدد وانتشر بعد ذلك بشكل كبير في السودان وبحسب خبراء تغذية ما تزال النتائج التي توصَّل إليها السمنار هي المرجعية لتحسين الوضع التغذوي فى السودان.

تقارير ومخاطر

وبالعودة إلى حديث الأرقام فإن أول تقرير رسمي لحالة سوء التغذية بالبلاد صدر في العام 1987م حيث كشف وقتها عن أن نسبة 32% من الأطفال يعانون من التقزم  (توقف النمو) وهي مقارنة بالنسبة الحالية والبالغة 38% تعد  قريبة الشبة فيما أوضحت تقاريرسابقة  بأن نسب سوء التغذية الحاد العام قد تجاوز أخيراً عتبة نسبة الطوارئ العالمية ووبلغ 16,3% فيما بلغت نسبة سوء التغذية شديد الحدة 5,3% ويقدَّر عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية شديد الحدة بما يقارب 550,000 طفل تحت الخامسة، ومايقارب 2,2مليون طفل، يعانون من سؤ التغذية المزمن سنوياً أي ما يعادل ثلث أطفال السودان، وبحسب اختصاصيين فإن فقر الدم من أكثر المشاكل شيوعا وانتشارا وسط فئات المجتمع خاصة النساء والحوامل والمرضعات والأطفال الرضَّع وحسب مسح ميداني أُجري قبل أعوام فقد بلغت نسبة فقر الدم الحاد 23%عند الحوامل و38%عند الأطفال  دون الخامسة كما أن اليافعات يتأثرن أكثر بنقص كمية الحديد فى الدم الأمر الذي قد يتفاقم فى حال عدم الاهتمام بهن قبل الحمل والولادة ويصبح متوارث.

تسع ولايات تعاني

وتشير الإحصاءات إلى أن غالبية الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد والذين تبلغ نسبهم 52% يعيشون في تسعة ولايات ليست متأثرة بالنزاعات وهي البحر الأحمر وكسلا والجزيرة والخرطوم والشمالية ونهر النيل والقضارف وسنار والنيل الأبيض وتشير منظمة الصحة العالمية بأن أربعة ولايات بالسودان سجلت أعلى نسبة لسوء التغذية تجاوزت بها النسب العالمية للوضع الحرج لسوء التغذية الحاد الأمر الذي وصفتة بالأزمة وهي: شمال دارفور بلغت 28% ،البحر الأحمر، 20% والنيل الأزرق 19 % وجنوب دارفور18%.

الوفاة مصير متوقع

ويؤكد الخبراء أن سوء التغذية قد يؤدي في  1000 يوم الأولى من حياة الطفل بين الحمل والعام الثانى لميلاد الطفل لآثار تدوم مدى الحياة وأحياناً توثر على بقاء الطفل وتطور نموه ولا يقف الأمر عند هذا الحد فحسب فقد تسهم في فقدان حياة الآلاف من الأطفال ويتراجع برنامج الأهداف الإنمائية للألفية في البلاد وخفض الفقر وغيرها من البرامج التنموية, فتحسين معدلات الغذاء للطفل يعتبر صمام أمان مجتمعي يحتاج لمزيد من التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات، يؤكد أن اتجاه السودان للانفتاح نحو الحركة العالمية لتحسين التغذية خطوة وجدت ترحيباً واستحساناً من عدد من الخبراء حيث انضم السودان إليها فى العام 2015م من أجل تنسيق العمل عبر وكيل وزارة الصحة  للتواصل مع شبكات المنظمات العالمية المعنية بهذا الأمر وهي أربع شبكات، تضم المانحيين ومنظمات الأمم المتحدة والشركات والقطاع الخاص بالإضافة لشبكة منظمات المجتمع المدني وكانت الحكومة قد وضعت خطة العمل القومية للتغذية، كما أشار الخبير الدكتور معتز عبدالله عبد الهادي بوزارة الصحة في ندوة أُقيمت بالبرلمان بناءً على طلب المؤتمر الدولي حول التغذية الذي نظمتة منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية فى العام 1993م وتبنت الحكومة توصياته بعد عامين الأمر الذي يؤكد الحاجة الماسة لتنسيق الجهود في مجال التغذية، وأضاف بأنها متداخلة  مع عدة مجالات وقطاعات حكومية وتنموية الأمر الذي يتطلب دمج استرتيجيات التغذية في جميع السياسات والخطط والبرامج التنموية.

أسباب متعددة

وبحسب خبراء تعود أسباب سوء التغذية إلى عدم توفر غذاء صحي يحتوي على عناصر غذائية تضمن صحة جسم الإنسان وخاصة الأطفال في طور النمو وقد يتسبب النقص في أحد العناصر الغذائية الأساسية لسوء التغذية والعكس أيضاً في حالة الإفراط في تلك العناصر ما يتطلب التوازن للأصحاء والمرضى فيساعد بشكل مباشر على الوقاية وعلاج الأمراض ذات العلاقة بالتغذية، ومن أعراض المرض: نقص الجسم للفيتامينات والأملاح المعدنية أو ما يعرف بالمغذيات الدقيقة (الجوع الخفي) هو إحدى أنواع سوء التغذية الأكثر انتشاراً في العالم يعاني منه  أكثر من بليونَيْ شخص معظمهم في الدول النامية، وحسب تقارير أممية فإن سوء التغذية يعد ضمن 10 أسباب رئيسة تؤدي للوفاة في تلك الدول ويمثل خطورة كبيرة على الحوامل والأطفال لأنه يؤثر على الأجزاء التي تساعد الجسم على أداء وظائفه الحيوية, وقد حازت المعضلة على اهتمام الصحة العالمية وأطلقت توصية لجميع الدول باتباع نظام التدعيم الغذائي للحد من انتشار مرض سوء التغذية في بلدانهم فضلاً عن كونه لا يحتاج لتغيير نمط غذائهم.

الصحة العامة

وتشيرالدكتورة عفاف عبد الفاضل عجب، خبيرة في برنامج التغذية القومي بوزارة الصحة الاتحادية إلى أن الأمر المهم الذي يجب التنبُّه إليه هو أن الهدف من تدعيم الغذاء فى المقام الأول الحفاظ على الصحة العامة، وكشفت عن تاريخ انتشار عملية تدعيم الأغذية والتي بدأت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية بغرض المساعدة في منع حدوث نقص التغذية لدى السكان وتابعت بأن هناك دول مثل بريطانيا وإيرلند وأمريكا  وغيرها فرضت زيادة الجرع المتناولة من فيتامين “أ” و”د” ومجموعة فيتامين “ب”  ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا في تدعيم الأغذية وتعويض العناصر التي فقدت خلال عملية تصنيع الأطعمة، وتشير إلى أن تلك العملية بدأت بالظهور في منطقة الخليج العربي منذ أواخر التسعينات وكانت المملكة العربية الرائدة ومن ثم انتقل الأمر إلى العديد من الدول بمساعدة المنظمات الدولية وأصبح تدعيم دقيق القمح بالحديد وحمض الفوليك إلزاميًا بالإضافة إلى فيتامين “د” وقد أتت بنتائج فعالة وأصبح ضمن البرامج الوقائية.

نقص المواليد

وعلى ذات الصعيد بولاية كسلا التي يتنشر فيها مرض سوء التغذية فإن مناديب وفرق الإدارة التي تتجول في منازل الولاية لاحظوا أن نسبة المواليد في عدد من المحليات تبدو أقل مقارنة مع مناطق أخرى، وأنهم لاحظوا وجود طفل أو اثنين فقط في عدد مقدر من المنازل بالأرياف رغم تقدم أعمار الوالدين، ورأت أن هذا الواقع يتمحور في المناطق والقرى التي ينتشر فيها سوء التغذية بنسب عالية، والدرن متفشٍ في الولاية بنسب متفاوتة، وبحسب إفادات لمسئولين بالوزارة فإن المرض لا يتمكن فقط من الجهاز التنفسي، بل إنه يصيب العديد من أنحاء الجسم مثل العظام والجهاز التناسلي، وأنه يتسبب في وفاة الكثيرين، ووضحوا أن عوامل انتشاره تعود بشكل مباشر إلى الفقر وضعف المناعة، بالإضافة إلى الجهل الازدحام والاكتظاظ من أبرز أسباب الإصابة به، وتحرص وزارة الصحة بكسلا على تقديم خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة للمرضى دون مقابل مادي، وذلك من خلال خمسة وعشرين مركزا ومشفًى بمختلف أنحاء الولاية، وتوضح الوزارة أن ارتفاع اكتشاف حالات المرض يعود إلى تسييرهم عيادات متجولة تصل إلى منازل وأحياء السكان بالمحليات، موضحة أن المناطق التي لا توجد فيها مراكز متخصصة في كشف وعلاج المرض اختصتها إدارة المشروع بالعيادات الجوالة علماً بأن علاج الدرن يخضع لبروتكول يحدد نوعية العقاقير التي يجب أن تعطى للمريض بعد قياس وزنه، وأن فترة العلاج تستمر لستة أشهر، والحوامل المصابات بالمرض أيضاً يخضعن للعلاج، ويلفت مسؤولون ببرنامج مكافحة الدرن إلى أن حجم الإصابة ارتفع عما كان عليه في العام 2013 الذي شهد انخفاض النسبة لأدنى معدلاتها.

ارتفاع غير مسبوق

بولاية النيل الأزرق التي تعد أيضاً من حواضن سوء التغذية فإن الأطباء بمسشفيات الولاية خاصة الروصيرص والدمازين أكدوا ارتفاع نسبة وفيات الأطفال، حيث تبلغ أسبوعياً في مستشفى الدمازين أربع وفيات، بالإضافة إلى ثلاث وفيات بمستشفى الروصيرص و15 حالة، بكل المستشفيات الريفية بواقع حالة وفاة لكل مستشفى ريفي، ويقول طبيب أن السبب وراء ذلك يعود إلى ضعف الوعي الصحي للأسر، بالإضافة إلى قلة تدريب الممرضين، مبيِّناً أن سوء التغذية يعتبر السبب المباشر لوفيات الأطفال، وتشير إحصاءات رسمية إلى أن نسبة وفيات الأطفال تبلغ 90 حالة، بين كل ألف طفل، وهي نسبة عالية تحتِّم إنشاء مستشفى أطفال عاجل، وهو ما تم التصديق به فعلاً ولكنه ما يزال حبيس الأدراج، كما أن هذه النسبة تُحتِّم على وزارة الصحة الاتحادية تمييز هذه الولاية المظلومة والمتأثرة بالحروب والفقر.

أزمة مزمنة

وفي دارفور أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن 88% من حالات الوفاة بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات يموتون بسبب ضعف خدمات المياه والصرف الصحي وإصحاح البيئة وأشارت المنظمة إلى وجود نحو 3.2 ملايين شخص، في إقليم دارفور لا يستطيعون الحصول على الماء الصالح للشرب، بينما لا يجد (7.4) ملايين شخص مراحيض محسنة، وأكدت يونيسيف في تقرير لها أن سوء التغذية بالإقليم يمثل مشكلة مزمنة ذات أثر طويل، يتضح في التقزّم الذي يصيب نحو أكثر من ثلث أطفال دارفور، وأشارالتقرير كذلك  إلى أن انتشار الهزال الحاد وسط الأطفال دون الخامسة يتراوح بين 2.3% في جنوب دارفور، و6.5% في شمالها، بينما يبلغ عدد الأطفال الذين يتلقون العلاج لسوء التغذية الحاد نحو 48 ألف و952 طفلاً.

ولايات مستقرة وتعاني

أما في ولاية نهر النيل التي تُعدُّ من أكثر الولايات استقرارا أمنيا وجذبا للاستثمار وتمتعاً بالموارد المختلفة فإن مرض سوء التغذية ينتشر فيها أيضاً وسط الأطفال، وهذا ما تعترف به وزيرة الصحة الدكتورة أماني عبدالرازق، التي تقول لـ(التيار) أنهم وفي سبيل محاصرة هذا المرض والقضاء عليه اتخذوا عددًا من الإجراءات الصحية والتوعوية، مبيِّنة أن سوء التغذية يتنشر في مناطق محددة بالولاية وأن خططهم لهذا العام الذي أعلنته حكومة الولاية عاماً للصحة تستهدف خفض معدلات سوء التغذية إلى أدنى نسبة.

اترك رد