ميسرة السراج.. مشخصاتي العصر المؤسس المجدد ومفتاح المرحلة الثانية

0
48

 علي مهدي يكتب:

ميسرة السراج.. مشخصاتي العصر المؤسس المجدد ومفتاح المرحلة الثانية

الشارع الممتد من شرق مدينتي الأحب البقعة المباركة، يتجه نحو الغرب ، ويسرع ثم يلتفت، كما الذي كان على موعد وتعذر عليه الوقوف، وهو على عجلة من أمره ،لا يتفرع الشارع الراقص الممثل المغني الرسام المفن، يظل في سيرة نحو الغرب ،يتقاطع مع أخريات، يتمهل، لتلتحق به في عدوه المحسوب منذ أن قامت على أطرافه (البيوت) ،الطين في امدرمان لونه محمر، بعض البيوت دخلت عليها بمرور الزمن مواد جديدة ،عصرية (طوب) أحمر ، أيضاً يتكون بقدره(نار الكماين)على دمجة من طين لين ، الى صلابة معها زرقة في الأطراف ،أو كانها عروق الذهب في الصخر الدفين،و(ميسرة السراج) المعلم،فارع الطول ،مسدول الشعر،وكان من علاماته المتميزة وقتها أسود ومجدول وكأنه مبلول، لكنه لماع ،بلبسه الأنيق، وحريصاً على ياقة بيضاء ظلت هكذا لسنوات.

مشخصاتي العصر المؤسس، المجدد، ولأنه كذلك نستعيد من عند نافذته مدخلاً نحو نور ذاك المجتمع، وام درمان السودان تُلهم وتجمع أهلها من كل فج عميق ، نحو المسارح المؤقته اذا نظرت ثم نظرت لقلت انها من أوقات ذاك الزمان، لما كان الشعر لغة الفنون وقف بين إنها لغة حوار المسرح القادم من الشمال، بنصوص ما استطاعت أن تجمع حولها النظارة، مالهم في غربها أمدرمان، وما لها وما عليها، حيث حلاقو الحمير ،والحدادون ،والبرادون وصغار الأفندية، ومحاولات بناء وتأسيس فرق كرة القدم ،والتقرب أكثر للاستماع لمذياع واحد وضع على السور، يلتفون حوله، ولكنه لم يكن للناس في المنافع بديل، كان للحرب واخبارها، قطعاً مر مشخصاتي العصر (ميسرة السراج) على التجمع المسائي تحت (البوستة)، ولم يتوقف كثيراً .

كانت الأشعار يسمعها كل يوم وأقوال من الفصاحة ، تبنى حول عقله أسوار المعارف ، وذاك الزمان كان للشعر صولجان، والمملكة من تحته تمور بالرغبة في التغيير ، والخروج من حكايات (العباسة) و(صلاح الدين الايوبي )، والتعرف على استحياء على الجديد المفتوح على الآخر، بين في الليالي بعيد الغناء أفكاره وسعيه للتجديد،وكتب يومها وبعدها(العبادي)و(خالد أبوالروس)و(سيد عبد العزيز) روايات تمثيلية ،كلها أقرب الى الغناء،وقالوا عنها (شعر قومي)، دارجة لا فصحى، لكنها كانت أقرب الى لغة الفن الهارب من (كلاسيكيات) العصر، وشاهد هو في أوقات تذكرها وبعدها ،أو سمع أن فرقة تمثيلية، تشخص بعض روايات ذاك الزمان في (سواكن)،أو انهم في (عطبرة) من بين أقباطها أو(أولاد الريف) فيها في النادي قدموا مشهد تمثيلي . وآخر شهد ولم يشهد،سمع وتأكد انها الحكايات عنده تحتاج الي أن يفتح بابها لتخرج لجمهور عريض، نظارة يجلسون في المقاعد على مهل، ويتجاذبون اطراف الحديث همساً اذا ما طال مشهد، خلفه تصاوير الخيام من الشعر، وبدوية تغيب في جلبابها وخمارها ولا يعرف الجمهور الا صوتها ويشك انها أميرة ما في عرض ما من تواريخ عربية قديمة ،وذهب به بحثه مشخصاتي العصر (ميسرة السراج) باحث دقيق وعارف ،وعالم،ومؤرخ، وله في الأسئلة أبواب تلح على الاجابة حتى يعرفها مع التفاصيل والجودة، وترك مرحلة ما قبله وذهب ابعد الى أيام في (رفاعة)، وقف الشيخ المعلم المحارب(بابكر بدري)المؤسس الأول ,يسأل الناس في السوق ،ان يبتاعوا تذاكر ليحضروا مشاهد تمثيلية في بيته ثم يعود ليؤكد أن ريع الحفلة التمثيلية سيخصص لتشييد أول فصل لتعليم (البنات)، أنظر في المؤسس الاول واتصال فكره العميق بالاستنارة وقوفه على اعتاب المعرفة بفنون التشخيص، فهم ، سأل مشخصاتي العصر المؤسس الثاني(ميسرة السراج)هل شاهد الشيخ بابكر بدري في مصر بعض الروايات التمثيلية وهو هناك بعد اسره قبل عودته حرا للوطن؟ وجلس يسمع من خلف الاسوار في مسارح(الازبكية) جمل كلها من الكلام الفخيم، وأصوات وقتها ويومها ما احتاجت الى مكبرات الصوت، تأكد له أن أول عرض تمثيلي سوداني كان في رفاعة في العام 1902م، ذاك التاريخ المجيد.

ومشت معه الفكرة، فكتب روايته التمثيلية الأولى (رشاد) في مدرسة عطبرة، وقف خلفها ممثلا ومخرجا ثم أحياناً ملقنا لمن فاتته جملة يظنها أهم في حواره، واتصلت تجربته فهو الثاني عندي بعد الشيخ بابكر بدري مؤلفًا مسرحيا وممثلا ومخرجا ومصمما (للديكور)، بنى المشاهد على عدد فصول روايته الأولى.

لكن أدواره الأعظم أنه يستعيد مثل معلمه الأكبر الأول الشيخ بدري فلما عاد الى بربر كتب روايته التمثيلية الثانية(انتقام وغرام) ، (وقال ان العائد من عروضها يذهب الى مساعدة الفقراء والمساكين وبعضه لصيانة نادي الموظفين) ولعل النادي الآخر للأجانب كان يجد الدعم ولذاك فكر في أن تذهب عائدات العروض لتلك الأنشطة الانسانية والاجتماعية، ووقتها وجد القبول من أهل المدينة له ولفنه ولفنون العرض.

ومشى أكثر في طريق التجديد فأسس فرقة السودان للتمثيل والموسيقى ، وهي أول مؤسسة تعنى بتنظيم النشاط التمثيلي والموسيقي والغنائي، بل هي الأولى على مستوى الفنون الأدائية قاطبة وهو يسجل هنا سبقه الثاني.

ويذهب أكثر ليؤسس أول استديو فني للتسجيل الصوتي (سودان فون).وتلك كانت اسباب ريادته وتجديده كان أهل الفن يقطعون الأميال نحو المدن لتسجيل الاسطوانات والأشرطة للغناء والموسيقى ووقف الراحل (عبد المجيد السراج) الإعلامي المتميز يشرف على إنفاذ هذه الفكرة التي تعظم من مسؤوليات المجدد.

وهو صاحب أول دار للفنون بدلا من التقاء المبدعين في الأندية أو المقاهي للتشاور حول أعمالهم الفنية ، افتتح دار فرقة السودان للتمثيل والموسيقى ، ويذهب مشخصاتي العصر المجدد أكثر في أبواب  الانفتاح على الأفكار الجديده وفنها ليؤسس لأول مسرح للقطاع الخاص غرب امدرمان الذي يحب ويعشق، في (العرضة).

يوم رحل سيد الفنون الأدائية ميسرة السراج ، عليه الرحمة كنت بعيدًا عن البقعة المباركة، وتذكرت يوم وقفت أمامه تلميذاً ،أسأله أن يشهد افتتاح مهرجان الفرق والجماعات الأول في مطلع سبعينات القرن الماضي ، وافق وتبسم ، ثم جاء وجلس في المقدمة وكنا الأسعد به عليه الرحمة والمغفرة.

اترك رد