بروفايل الشاعر إ دريس محمد جماع ياشعلة طافت خواطرنا حوليها وطفنا

0
66

الخرطوم: نوح السراج

ولد الشاعر إدريس محمد جماع في حلفاية الملوك بالخرطوم بحري عام 1922م- نشأ نشأة دينية في كنف أسرته المحافظة وكان والده محمد جماع هو شيخ قبيلة العبدلاب- ولو عاش شاعر الروح والوجدان على إرثه الأسري الباذخ سليل ملوك الحلفاية لكفاه لكن آثر أن يختط لنفسه حروف المجد فالفتى من يقول هأنذا- عاش في بيئة حافلة بالوطنية والمآثر وأحاديث الفرسان وخوارق الأبطال وتفوق في كل مراحله الدراسية .

بدأ إدريس جماع تعليمه في سن مبكرة في خلوة حلفاية الملوك حيث حفظ القرءان الكريم ثم التحق بمدرسة حلفاية الملوك الأولية عام 1930م ومنها إلى مدرسة أم درمان الوسطى عام 1934م ثم التحق في عام 1946م بكلية المعلمين ببخت الرضا وتخرج منها معلماً بالمراحل الأولية، لكن شغفه بالعلم والأدب دفعه خطوات إلى الأمام فالتحق بدار العلوم بمصر ونهل من العلوم العربية وتعرف على العلوم الحديثة وطرق تدريسها ثم عاد إلى أرض الوطن يفيض علماً وشعراً وبعد عودته من مصر عام 1952م عين معلماً بمعهد التربية بمدينة شندي ثم مدرسة تنقسي الجزيرة الأولية ثم الخرطوم الأولية و مدرسة حلفاية الملوك الأولية ثم انتقل للعمل بمدرسة السنتين في بخت الرضا، وفي عام 1965م عمل معلماً بمدارس المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية في مختلف مناطق السودان- ارتبط شاعرنا بمهنة التعليم لفترة طويلة ارتباطاً وثيقاً بل وتضمنت المقرارات الدراسية بمناهج التعليم العام السودانية العديد من قصائده لا سيما قصيدة (النيل) النيل من نشوة الصهباء سلسله وساكنو النيل سمار وندمان – و(نومة الراعي) – (هنا صوت يناديني) – (أمة المجد) ( بخت الرضا)  وغيرها- أما ديوانه لحظات باقية يقف شاهداً على نبوغه وعبقريته في كتابة الشعر وطبع ثلاث مرات وقد جمع أشعاره بعض أصدقائه وأقاربه لأنه لم يتمكن من ذلك بسبب ظروفه الصحية- يغلب على موضوع شعره التأمل والحب والجمال والحكمة كما كتب أشعاراً وطنية مناهضة للاستعمار ويتسم أسلوب شعره برقة الألفاظ والوصف فائق الخيال وكثيراً ما يعبر في شعره عن وجدانه وتجاربه العاطفية ووجدان أمته واصفاً تلك المشاعر الإنسانية فرحاً وألماً وحزناً كما يذخر شعره بوصف ثورة الثائر الوطني الغيور على حرية وطنه وكرامة أمته وربط في أعماله الشعرية بين السودان والأمة العربية والإسلامية فتناول قضايا الجزائر ومصر وفلسطين ونظم شعراً في قضايا التحرر في العالم أجمع- قال عنه الدكتور عبده بدوي في كتابه الشعر الحديث في السودان إن أهم ما يميز الشاعر جماع هو إحساسه الدافق بالإنسانية وشعوره بالناس من حوله ولا شك ان هذه نغمة جديدة في الشعر السوداني وصدر حوله كتاب بعنوان (جماع قيثارة النبوغ) من تأليف محمد حجاز مدثر قال فيه (وكما أعرف ويعرف غيري ممن اتصلوا بجماع أن جماع يعتبر نموذجاً فريداً للنفس الإنسانية في آمالها وآلامها في هنائها وبؤسها، في معرفتها وتشكيلها في صراعها ذاتياً ومع الآخرين وما يتمخض عن هذا الصراع من مشاعر تنعكس على شخصية صاحبها فتذيبه وتصهره وتقويه- مضيفاً هو رقة موغلة في إرهاف ودقة حس تنبع من شعور إنساني غير مألوف، عرف بالنبوغ والذكاء وسط زملاء الدراسة) – إضافة لذلك أعد الباحث عبد القادر الشيخ إدريس رسالة دكتوراه حول شعر جماع بعنوان الشاعر السوداني إدريس جماع حياته وشعره وكتب عنه الدكتور عون الشريف قاسم قائلاً (لقد كان شعر جماع تعبيراً أصيلاً عن شفافيته الفائقة التي رسمت لنا الكلمات وأبرزت بجلاء حسه الوطني ففي أشعاره التي تتحدث عن المقاومة قصيدة يقول مطلعها:

أيها الحادي انطلق واصعد بنا* وتخير في الذرا أطولها

نحن قوم ليس يرضي همهم أن ينالوا في العلا أسهلها

وفي قصيدة (سعير الكفاح) يقول:

سنأخذ حقنا مهما تعالوا ** وإن نصبوا المدافع والقلاعا

وفي قصيدة (أنت السماء) وصف جماع المحبوبة بالسماء النائية حيث جاء فيها

دنياي أنتِ وفرحتي ** ومنى الفؤاد إذا تمنى

أنتِ السماء بدت لنا ** واستعصمت بالبعد عنا

هلا رحمت متيماً ** عصفت به الأشواق وهنا

وهفت به الذكرى فطاف** مع الدجى مغنى فمعنى

وفي قصيدة (ربيع الحب) روى جماع تجربة حب فاشلة قائلاً:

في ربيع الحب كنا نتساقى ونغني

نتناجى ونناجي الطير من غصن لغصن

من أصدقائه المقربيون عبد الله الطيب وعبد الله الشيخ البشير وابن خالته الشاعر محمد محمد علي صاحب ديوان (ظلال شاردة ) و(ألحان وأشجان).

من أشهر القصائد المغناة من شعره الأغنية الوطنية(هنا صوت يناديني، نعم لبيك أوطاني) التي تغنى بها الثنائي الوطني، و(في ربيع الحب) وأنت السماء(أعلى الجمال تغار منا ماذا عليك إذا نظرنا) اللتان تغنى بهما سيد خليفة وأغنية (قوم يا ملاك) التي تغنى بها خضر بشير وقصيدة (شاعر الوجدان والأشجان) التي يترنم بها الكابلي- ماله أيقظ الشجون فقاست وحشة الليل واستثار الخيالا ماله في مواكب الليل يمشي ويناجي أشباحه والظلال.

ذلك هو الشاعر إدريس محمد جماع حفيد ملوك العبدلاب وابن (المانجل) محمد جماع وخليفته الذي حال المرض الذي داهمه من ممارسة مهام الخلافة واختصر أيضاً مسيرته الشعرية الغامرة التي دخلت إلى وجدان السودانيين من خلال مفرداته البسيطة وأعماله الوطنية رائعة الإبداع والتصوير وجعل البعض يتساءل هل هو الضعيف الذي هرب من واقعه أو الرومانسي الذي عاش يحلم، لكن الثابت انه رغم كل شيء ترك لنا إرثاً أدبياً حافلاً وذكرى روعة إنسان كان معنا وارتحل قبل الرحيل.

توفى الشاعر إدريس جماع في 29-3-1980 بعد صراع طويل مع المرض وكان أن أرسل للعلاج إلى لبنان و عاد إلى السودان دون أن تتحسن حالته الصحية .

اترك رد