منوعات

حبل الغسيل الليل والسفر، والباشكاتب

كان نهارًا قائظًا، من نهارات أمدرمان الخريفية، ذاك الذي قضيناه ونحن نذرع سوق البوستة أنا وصديقي الشاعر “محي الدين فريعة” نبحث عن كتب -على الأغلب- لدى فرشات الوراقين في أزقة البوستة القديمة، ونتسكع. نتحدث عن زيارة الفيتوري النادرة في تلك الأيام (خريف ١٩٩٧) وأبياته المرتجلة التي تفضل بها على الرئيس البشير الذي قلده وسامًا:

هذا وسامُك ملء السمع والبصرِ
وذي أياديك بيضاء، آفاق من المطرِ
حتى انقضى أكثر النهار في مثل تلك الأحاديث واستبد بنا العطش وشعرنا بالحاجة إلى مشروب مثلج يطفيء “نار الجوف” وينعش الروح. كان فريعة شاعرًا كبيرًا لكنه قليل الحظ وتلك فصة أخرى:
….
إن البحار تخدّدت لتقيم أرصفة لنا
فالآبقون من الديار. العائدون إلى الديار
تعقدت في الأرض فلسفة الرحيل
ونخلاتٌ لنا، شابت هنا، قبل الفطام.
أيا ترى؟
وضع القناع على الطفولة صار حزنًا ثابتًا كل المواسم والفصول؟
أنا والنوارس وحدنا، رحنا نفتش في الغياهب لا نرى،
حتى الأصابع إن مددناها.
لقد ساء الطريق هنا وأعيانا
ولكنا نؤمّل في الوصول!

لم يكن اختيار إحدى محلات العصائر التي تملأ السوق في ذلك الوقت أمرًا سهلًا، إذ لم تكن تتنافس فيما بينها بطزاجة أو برودة عصائرها وإنما بأصوات المطربين التي تملأ المكان بصخب لذيذ وتصنع سحابة من الأنغام المتداخلة. الصوت، لا المذاق كان المحدد في الاختيار. أمسكت عندئذٍ بيد رفيقي، وتخيرت طريقًا بين غابة الأصوات، متتبعًا صوتًا وحيدًا كان يصدح بالأغنية الخالدة “زورق الألحان”.

لم يكن الشاعر فريعة قد تبين وجهتي بعد، بيد أنه حين انتبه، جذبني بقوة “لا أحب أن أسمع “ود اللمين” في النهار مطلقًا!”. بدا منزعجًا انزعاجًا حقيقيًا لا مصطنعًا، وتعجبت. اخترنا محلًا آخر كيفما اتفق، وأظنه كان مجللًا بصوت “حمد الريح” أو “صلاح بن البادية” لا أذكر، لكن بقي صوت الباشكاتب عالقًا بأذنيّ وظل يعرف طريقه إليهما رغم زحمة الأصوات والموسيقى ودخان البخور الكثيف:
عيون حبيبي ديار ساحاتها حنية
رسالة من الروح، أنشودة صوفية

هذا ما كان من أمر صديقي فريعة، ثم تذكرت ما حدث بعد سنوات حين أخبرني صديق آخر أنه لا يحتمل صوت “ود اللمين” في ساعات النهار، لكنه يستعذبه في الليل حين تسكن الدنيا من فورتها، ويشعر بصفاء في روحه حين يفعل. أمر عجيب بالطبع، لكنني تفهمته حين تأملت تجربتي الشخصية مع صوته وألحانه، واكتشفت أنني أيضًا أسمعه ليلًا على الأغلب لكن من دون أن أكون واعيًا لذلك، حتى إنني إذا سمعته نهارًا وكأنني صائمٌ أفطَر.

تجربة الفنان الكبير محمد الأمين بدت لي حساسة للضوء والضوضاء وكأنما نُحتت بهدوء تحت سماء مقمرة صافية، مرصعة بالنجوم على تخوم “خور أبوعنجة” ونيل أمدرمان، ومنذورة لكل الليالي بامتداد العمر. صوته “الذي يشبه رنين عملة قديمة” على وصف صاحب مريود يمنحه سكون الليل أبعادًا جديدة في كل مرة. الضوء يخنق صوته، يضيق به، فيخفي ملامحه خلف نظارة سوداء معتمة ثم يسافر في المدى سابقًا للضوء، قويًا وثابتاً ومتحديًا قوانين الطبيعة.

كانت الحافلات الشهيرة “يسرا نور” مطيتي الأثيرة بين العاصمة الخرطوم ومدينتي بورتسودان أيام الدراسة أواسط التسعينيات، وكانت شيئًا فاخرًا بمقاييس تلك الأيام. تبدأ الرحلة وتنتهي دائمًا بصوت محمد الأمين، في آخر الليل وأوله. لا أنس “زاد الشجون” في ساعات الفجر الأولى حين تملأ الحافلة بالدفء والخدر وهي تتهادى عند معبر “سوبا”. تبدأ بنقرات “سعد الدين الطيب” على البيانو العتيق، من حفل لندن الشهير، وغالبًا ما تنتهي الرحلة بأغنية “طائر الأحلام” وختامها اللحني الاستثنائي في المنطقة الحادة، في أعلى درجات “الأوكتاف” “يا طائر أحلامي الزغاليل، ويا طلق المحيا” وبين “زاد الشجون” و”طائر الأحلام” تمر القرى والفيافي والمزارع عبر النافذة، ويتمدد صوت الباشكاتب إلى نهاية الأفق المعتم، عند البحر، وكأن الليل والطريق بلا نهاية، وهما وطنه وزمانه وفي صوته رنة عتاب “لو تسافر دون رضانا، بنشقى نحن الدهر كله”.

ومع ذلك، نسافر طوال العام من وإلى العاصمة. وكان مقرنا في داخلية للطلاب على شارع الأربعين الكبير في العباسية في أمدرمان، أنا وأصدقاء العمر الأوفياء، وكانت للباشكاتب حفلتان تقريبًا كل شهر في نادي الضباط في وسط الخرطوم. نقتطع من مصروفنا ونضحي بوجبتين أو ثلاث من أجل حضور إحداهما، ثم نعود في آخر الليل راجلين، من وسط الخرطوم وحتى أمدرمان، نردد ما سمعناه من أغنيات ونملأ ليل الخرطوم بأصواتنا المشروخة محاولين تمثل حالته وانجذابه الصوفي النبيل، وعذابه مع الألحان الطويلة المعقدة.

ثم، في أواخر التسعينيات، استردت الحكومة بلدة “همشكوريب” من قوات التحالف الذي كان يضم الحركة الشعبية ومؤتمر البجا وآخرين، وذهبت في مهمة عمل، منتدبًا من الإذاعة القومية في أمدرمان لكي أسجل تلك اللحظات النادرة في تلك البلدة القصية، وحين انتهينا من مهمتنا ولقاءاتنا ب”شيوخ الكرياتي” من “آل بيتاي” ومريديهم و”أم الفقرا” كان الظلام قد حل، فسلك بنا الجيش طريقًا بديلًا لكي لا نقع في كمائن المتمردين، وكان الطريق البديل يمر عبر وادي الدوم الكبير الممتد من حواف “دروديب” وحتى “أغوردات” في قلب إرتريا مرورًا بهمشكوريب وبقية البلدات على الحدود.

في وحشة غابة الدوم، كان صوت الباشكاتب رفيقنا ومؤنسنا أيضًا. كان تسجيل حفلة الدوحة “بتتعلم من الأيام وأخواتها” قلت لرفيقي مهندس الصوت “لو يعلم محمد الأمين أين يغني الآن؟ ولمن؟” ضحك ولاذ بالصمت لأنه كان خائفًا ومتوترًا وينضح عرقًا لأن احتمال مقتلنا وارد في أية لحظة. كانت المطية تصعد وتهبط عبر غابة الدوم في سرب طويل من عربات الجيش والحكومة، وصوت الباشكاتب يربطها جميعًا بخيط غير مرئي، نظيف، مستقيم ومتصل، ولعل المسلحين “الأشباح” سمعوه فسامحونا لأجله، وتركونا نعبر الغابة في سلام، أو لعلهم لم يكونوا هناك، لا أعرف، ما أعرفه أننا بلغنا الطريق السريع عند تخوم “دروديب” ثم عدنا إلى “كسلا” يحرسنا صوت الباشكاتب.

من المحزن أنه غادر الدنيا وهو يظن أن غناءه لم يُسمع جيدًا، وموسيقاه لم تصل إلى الناس مثلما أراد دائمًا، لذلك بدا شحيحًا في إنتاج أغنيات جديدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، واكتفى بتجديد إنتاجه القديم فأضاف إليه وحذف منه وعتقه وقدمه جديدًا مرة بعد أخرى، وهذا يعرفه معظم محبيه، حتى صوته العنيد اتخذ منحنى بيانيًا مخاتلًا مذ بدأ وإلى أن انتهى. انطلق من أعلى المنحنى، ناعمًا طريًا وانتهى بعد ستين عامًا من العطاء في “القرار” في أبعد نقطة، غليظًا ومتين الأوتار. يمد عروقه إلى منابع غامضة.
حامد الناظر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى