مقالات وآراء

أزمة القيادة ,,, الأسباب و التداعيات


مصعب الريح رشاش
Rushash72@gmail.com

إن الغرق في التفاصيل يمثل أحد أهم أسباب أزمة القيادة و المسؤولية , على كل المستويات , في هذه البلاد . فالغرق في التفاصيل يأتي عادة على حساب الاهتمام بالقضايا و الهموم الكبرى و الأمور الاستراتيجية . و الغرق في يوميات الأحداث يعكر صفاء الذهن و يحد بالتالي من القدرة على التفكير الاستراتيجي و بعد النظر .
في تقديري أنه يجب على الإنسان تقليص اهتماهه بالتفاصيل و زيادة تركيزه على الخلاصات كلما علا مقامه و موقعه في المؤسسة التي ينتمي إليها سواء كانت تلك المؤسسة اجتماعية أم رسمية . و ذلك لجهة أن الخلاصات تعين على اتخاذ الموقف الصحيح و بالتالي القرار الصحيح . فاليوميات و التفاصيل تساعد في إثارة النزعة العاطفية و بالتالي توقع الأشخاص عادة في مصيدة التنميط ( الحكم الشخصي غير الموضوعي على الأمور ) . و لذلك فالإستغراق في التفاصيل الصغيرة يؤجج الجوانب العاطفية و يهزم التوجهات العقلانية .
الآن بات الفضاء العام مشحوناً باللهث وراء اليوميات و التفاصيل . بتنا نبذل مجهوداً عاطفياً هائلاً كل يوم في مجاراة التفاصيل . لا أحد يتوقف لعدة دقائق لتفسير الأمور بعقلانية و عمق . لا تختلف في ذلك منصات عامة الناس و المنابر النوعية التي تضم القياديين و المثقفين و المستنيرين . سلوكنا تجاه الأحداث العامة بات يعبر عن ردات الفعل و لا أحد يهتم بالفعل . و المعضلات عادة تحل بالأفعال و ليس ردات الأفعال . فبحسب ما يقول رواد برامج تطوير الذات , فإن المبادرة باتت تمثل أهم مقومات القيادة و حل المشكلات . و أن الأشخاص يفقدون القدرة على المبادرة إن كانوا يتعاملون مع الأمور بردود الأفعال .
يتباكى السودانيون اليوم على رحيل كل القادة الذين كانوا يتمتعون بالحكمة و الموعظة و فصل الخطاب و لا يدرون بأن المناخ الاجتماعي العام بات مشحوناً بمدمني التفاصيل الغارقين في الدقائق و الجزئيات . و مثل هذا المناخ قلما يولد القادة و الحكماء . بل ينتج مجموعة من الناشطين الإنفعاليين من الذين يؤجج إدمان التفاصيل عواطفهم فتراهم يتفجرون غضباً و حماقة أمام وسائل الإعلام و يصرحون بما يلهب الأوضاع و يزيد الأمور إشتعالاً على اشتعال و يثيرون الأزمات . فالمنابر العامة هي منصات للحديث العقلاني المنضبط و المفيد المختصر . و ليست منصات لتفريغ شحنات الغضب و صب اللعنات .
حينما ضربت أمريكا مصنع الشفاء للأدوية في أغسطس من العام 1998 وقف الرئيس الأمريكي بيل كلنتون أمام الإعلام ليدلي بتصريح مقتضب قال فيه : ( نحن ننفذ الآن عمليات عسكرية ضد أهداف بكل من السودان و أفغانستان لأسباب تتعلق بالأمن القومي الأمريكي ) و ( خلاص ) . لا شرح و لا إسهاب و لا إساءة و لا غضب و لا يحزنون . فالتصريح الرسمي هو مجرد ( شغل رسمي ) يمليه علي المسؤول , منصبه و مسؤوليته . فالأمر ليس شخصياً يستوجب استنفار العاطفة و تأجيج المشاعر .
و يحكى أن أحد المواطنين الإنجليز انفجر يوماً بوجه رئيس الوزراء ( ونستون تشرشل ) و وصفه بالأحمق . فسارع رجال الأمن إلى اعتقاله . بعد ذلك سأل الصحفيون تشرشل : ( هل أوقفت السلطات ذلك الرجل فقط لأنه وصفك بالحمق ؟ ) . رد عليهم تشرشل بدهائه المعهود قائلاً : ( لا , لقد أوقفوه لأنه أفشى سراً من أسرار الدولة ) .
و لذلك ظلت الحكمة و ضبط النفس من أهم مقومات القادة على مر الزمان . و من ذلك قول أبي فراس الحمداني : ( فليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ) . اليوم نفتقد ذلك النوع من القادة و القيادة في حياتنا العامة لأننا الآن قلما نسلك سلوك الحكماء و العقلاء و المسؤولين .
لم تعد العلاقات المؤسسية منضبطة و ملتزمة بالهياكل الإدارية الصحيحة في معظم مؤسساتنا بسبب أزمة القيادة . فكثيراً ما تجد المدير العام يستشير سائقه في شؤون العمل و يأخذ بنصيحة ساعي مكتبه في اتخاذ بعض القرارات الخطيرة . بتنا نعيش و نتعايش مع علاقات وظيفية شائكة و مثيرة نراها اليوم في المؤسسات . الشلة المتحكمة في تسيير شؤون المؤسسة يمكن أن تتكون من المدير العام , اثنين من موظفي الدرجات الوسطى , سائقه الشخصي , السكرتيرة و موظف الاستقبال . يحدث هذا بسبب إنشغال الإدارة العامة بالتفاصيل و دقائق الأمور و المعلومات التي يوفرها لها طاقم الشلة عبر التجسس و نقل ( الكلامات و القوالات ) . باتت المهنية غائبة عن معظم مؤسساتنا العامة و الخاصة .
و قد شهدنا مؤسسات عامة أخطر من فيها هم الموظفون الذين ليس لهم أعباء أو مهام وظيفية واضحة يؤدونها . و إنما هم ممن يجيدون ( تظبيط ) الأجواء الخاصة جداً للمديرين . تجدهم خبراء في معرفة أماكن ( السمك الظابط ) و الشية ( الكاربة ) و اللعب النظيف . و يحلون للمسؤولين مشاكلهم الشخصية و الأسرية من خلال علاقاتهم الواسعة في إدارة الجوازات مثلاً , مراكز ترخيص المركبات و الرخص , المطار , الجمارك و نحو ذلك .
و تلك لعمري ليست أخلاق أو سلوكيات القادة و المسؤولين الذين يمكن أن يقودوا المجتمعات و يديروا دولة . إن الأشخاص الذين تستعبدهم نزواتهم الشخصية و شهواتهم الخاصة , في الواقع , غير جديرين بتقلد المسؤوليات و السيادة . فالقيادة تتطلب أشخاصاُ يتحلون بقيم الزهد , العفة , رفعة النفس . أشخاص غير قابلين للإنكسار و الشراء و الإبتزاز . أشخاص يتمتعون بقيمة التضحية قبل كل شيئ . التضحية بالوقت و النفس و كل الممتعات . و لذلك , قديما , قال شاعر العرب : لولا المشقة ساد الناس كلهم …. الجود يفقر و الإقدام قتال .
يذكر أنه عندما أطيح بنظام نميري فيما عرف بالثورة التصحيحية في 19 يوليو عام 1971 , أخذ مديرو المؤسسات العامة يرسلون برقيات التهنئة للرائد ( هاشم العطا ) تعبيراً عن التأييد و الولاء , على الأقل ليحافظوا على مقاعدهم . ظل مدير إحدى المؤسسات متردداُ خلال اليومين الأولين حتى قرر في اليوم الثالث كتابة برقية تهنئة و تأييد بدون أن يستشير طاقمه الإداري و أرسلها سراً مع ساعي مكتبه . و لكن قبل أن يصل الساعي إلى وجهته أطيح بالثورة التصحيحية و عاد نميري مجدداً إلى السلطة . فأحتفظ الساعي بالبرقية و رفض إرجاعها إلى مديره بكل خبث . و منذ ذلك اليوم ظل الساعي يمرر طلباته و يأمر و ينهى في المؤسسة . و كان كلما غضب المدير و حاول اعتراضه يقوم صاحبنا بالتربيت على جيبه , في إشارة إلى البرقية التي يحتفظ بها , فيتراجع المدير قائلاً : ( انعل أبو اليوم العرفانكم فيه ذاتو ) .
لم يعد للهرم الوظيفي دوراُ يذكر في إدارة غالب المؤسسات . بل كثيراُ ما باتت علاقة المدير العام بنائبه أو مساعديه المباشرين علاقة متوترة تفتقر إلى الثقة و التعاون و التكامل . و الأكثر إدهاشاً من ذلك أن أخطر القرارات العامة باتت تتخذ في بيوت المسؤولين , و عادة عقب صلاة المغرب . و لذلك أشيع استخدام عبارة ( أمس صلينا المغرب مع شيخ فلان ) خلال سني نظام الإنقاذ البائد . و هي عبارة ظل يطلقها المتسلقون تعبيراُ عن خطورة شأنهم و خطورة ما يمكن أن يكونوا سبباً في حدوثه من تخطيط و قرارات بل و تجاوزات للنظم و الأعراف المؤسسية . و تأكيداً على سذاجة و بلاهة الموظفين الذين يعتقدون أن العمل ينتهي بانتهاء الدوام الرسمي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى