مقالات وآراء

أبوي المِرِق والشِعبة

حلّق بنا امس الشاعر الجميل السر عثمان الطيب في عوالم أمهاتنا الأحياء منهن والأموات، وفاضت الشجون والدموع، وتذكرت ابي عباس رحمه الله، الذي رأيته آخر مرة يوم خروجي من سجن كوبر في فترة حكم جعفر نميري، وفوجئت بأنه موجود في الخرطوم بحري التي قدم اليها من كوستي لتلقي العلاج من علة طارئة، وكانت تلك أول مرة أراه فيها يجهش بالبكاء، وبعد ان بادلني التحية طويلا، طلب مني التوجه الى كوستي لتفرح بي أمي وإخوتي، وبعد قضاء ساعات قصيرة معه انطلقت الى كوستي، وبعد قضاء يومين في كوستي، توجهت الى موقف البصات للعودة الى الخرطوم، وهناك جاء من يبلغني ان والدي توفي
كان أبي لطيف الروح كثير الابتسام، وله شنب “يرك فوقه الصقر” وكان اهتزاز ذلك الشنب عند الغضب كفيلا بردع أي واحد من عياله، ولا أذكر انه ضربني سوى مرة واحدة وكانت ضربة واحدة على الكتف لأنني قصرت في تنفيذ ما أمرني به، وخلال عطلة وأنا في أعتاب الجامعة تناول والدي ملابسي من “الحمار” (عصر ما قبل اختراع الشماعة) ليذهب بها الى المكوجي، ووجد علبة سجائر في جيب القميص واستدعاني، وجلست أمامه وجسمي يهتز بقوة 90 درجة على مقياس ريختر، ولكنه قال لي: ما عاوز واحد يقول عليك قليل أدب لما يشوفك تشرب سجائر بره البيت! أحسست بالخجل: في تقديره لن أتوقف عن التدخين بالزجر، وبالتالي اقترح ان امارس التدخين في البيت فقط، كي لا اعطي الانطباع عند التدخين في مكان عام بأن ولد عباس طائش؛ وتقديرا له توقفت عن التدخين فورا (ولكن- يا للعار- لنحو سنتين فقط، ثم توقفت نهائيا عنه منذ ثلاثين سنة- يعني وعمري.. كم سنة؟)
في سنتي الثانية في مدرسة البرقيق الوسطى جاء والدي الى بدين في إجازته السنوية، وذات خميس عدت الى البيت لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع العائلة، ووجدت أبي ممددا على سرير وحوله خلق كثيرون، من بينهم “فكي” كان يقرأ عليه بعض التعاويذ، وقيل لي إن والدي يعاني من شلل لأنه داس طفلاً من الجن، وفي اليوم التالي (الجمعة) أمروني بالاستعداد للعودة الى السكن الداخلي في المدرسة، فقلت: لن أعود الى المدرسة ما لم يتم نقل ابي الى مستشفى دنقلا، فهاج الفكي ومعه آخرون، وقالوا لي ان الجن سيعاقب بقية افراد الأسرة ما لم يتم طردهم من جسم الوالد، فاستجمعت شجاعتي وقلت ما معناه “مرحبا بالجن في بيتنا مقابل ان يجد أبي العلاج في مستشفى”، فقالوا لأبي ارمش بعيونك اذا كنت موافقا على ما يقوله ولدك المطموس هذا، فرمش بعينيه، وخرج الفكي غاضبا، وعلى الفور تمت ترتيبات نقله الى المستشفى، وبعدها بنحو ثلاثة أسابيع كان قد عاد من المستشفى على ظهر حمار، وعاش سنوات طويلة وهو يعاني من شلل طفيف في الجانب الشمالي من جسمه، وظل يردد ان جعفر “الطيار” أنقذه من الشلل التام
قيل في حنان الأم الكثير شعرا ونثرا، بينما نصيب الأب من ذلك قليل، ويكون ذلك لأن الأم هي ست البيت والمسؤولة عما يحدث فيه، بما في ذلك معظم أعباء التربية والرعاية للعيال، بينما يقع على الأب في غالب الأحوال عبء تدبير أمور المعيشة، مما يتطلب البقاء خارج البيت لفترات طويلة، دون ان يعني ذلك أن الأب أقل حبا للعيال من الأم
رحم الله من رحل من آبائنا ورحم الصديق الشاعر سعد الدين إبراهيم: أبوي شعبتنا روح آمالنا/ ضو البيت/ ضراعو الخدرا ساريتنا/ نقيِّل وفي ضليلو نبيت/ أبوي زغرودة السمحات/ أبوي عاشق الشمس والنيل … نحبك شمعه في ليلنا/ تنور للخطا وتهدي/ نحبك يابا زي نيلنا/ طويل وأصيل وممتدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى